السبت، 16 مايو 2020

رواية: موسم الهجرة إلى الشمال





عندما تقرأ للطيب صالح (1929-2009) فإنك تستطيع أن تتخيّل المكان بصورته الصافية، والبيئة بثقافتها؛ إنّ الطيب صالح واحد من الروائيين الذي استطاعوا تقديم صورة للسودان بثقافته، وبيئته، وحياة أفراده، ولا أدلَّ على ذلك من روايات (موسم الهجرة إلى الشمال) و(عرس الزين) و(مريود)...

تنقُلُك رواية (موسم الهجرة إلى الشمال) إلى تلك الرقعة الجغرافية من العالم، في أفريقيا مطلع القرن الماضي، وتتناول حكاية مصطفى سعيد الإنسان الغريب الذي نقله نبوغه من السودان إلى إنجلترا للدراسة، وهناك صار مصطفى سعيد صياداً للفتيات، كل مرة يطارد ضحية جديدة، ثم يستبدلها بضحية أخرى إلى أن تقوده الأحداث لإدانته بقتل زوجته ثم محاكمته وسجنه. الرواية تُعيد مصطفى سعيد إلى السودان ولكن ليس إلى الخرطوم بل يسافر إلى بلد ريفي وهناك تتمدّد الحكاية وتتوسع الأحداث، وتنكشف معها الشخصية المجهولة لمصطفى سعيد.

لا أخفيكم سرداً وأنا أقرأ الصفحات الأولى من الرواية أحسستُ بأنَّ الأحداث تتداخل في ذهني، واللغة التي بدأتْ بها الرواية أقرب إلى السيرة الذاتية، لقد أحسست وأنا أتعمق في القراءة وكأني أقرأ سيرة الطيب الصالح، والأحداث عاشها في ذاكرته ونقلها في سطوره، والأمكنة رأتْه وأثّرت فيه وتصالحت معه، واختلفت معه، أقول ذلك وأنا أتساءل هل يمكن أن يحدث ذلك في مخيلة القارئ بإطلاق الآراء على ما يقرأ؟ هل يمكن أن يكون مصطفى سعيد صورة ولو في شيء بسيط من تخيّلاتها للروائي نفسه؟

حين تقرأ موسم الهجرة إلى الشمال ستجد المجتمع السوداني حاضراً كعادة كتابات الطيب صالح باشتغاله على بيئة مجتمعه وثقافته، فهو ينبش في هذه الرواية في بعض العادات المجتمعية كتزويج الغريب، وتزويج الفتاة دون موافقتها، والعمل على حساب التعليم، وحكايات المتزوجين، وجلسات السمر، وطقوس الختان وحفلاته، وعادات النيل وفيضانه. ومع ذلك فهو لم يغفل عن إقامة علاقة ولو بسيطة بين بلده وبلد آخر يرى فيها حرية أخرى.

لقد سافر مصطفى سعيد وهو غريب في داخله، وعاد وهو غريب في داخله، ومات وهو غريب أمام الناس والمجتمع وزوجته، لقد أراد أن يخفي أسراره عن الجميع فكان له ما أراد.

في قراءتك لهذه الرواية يمكنك أن تكتشف طبائع الشخصيات التي اشتغلت عليها الروائية، الشخصية المثقفة المتعلمة، والشخصية العاملة الكادحة، والشخصية المتدينة، والشخصية البسيطة العامية، والشخصية الراغبة في الجنس، والشخصية القانعة الخاضعة، كل تلك الشخصيات استطاع الطيب الصالح توظيفها في أحداثٍ عادت بالذاكرة بها لمجتمع كان يرمم حياته ويفكر في مستقبله. لقد استمدّت الرواية كل تفاصيلها من ثقافة المجتمع السوداني مما جعل للحكاية في تفاصيلها أكثر ارتباطاً بالمكان والذاكرة والحلم والطفولة، في استعادة لموسم السفر أو الهجرة إلى البلاد الأوربية، والتي لم يبقَ منها إلا ذاكرة من الصور خبّأها مصطفى سعيد داخل غرفة مغلقة، وكأنّ تلك الصور هي نسخة أخرى لذاكرة الغريب الذي أتى ورحل دون أن يُحس به أحد. وهي الذاكرة نفسها التي سيتركها مصطفى سعيد متعلقة بذاكرة ابن القرية الذي لا يعرفه كثيراً، ويجعله وصياً على أولاده ويمنحه مفتاح الغرفة التي بها أسراره.

ستتكشف الأحداث شيئا فشيئا، وسترحل حسنة بنت محمود حاملة معها حزمة من العادات والتقاليد بقتلها ود الريس، حيث لم يقم الناس لها عزاء ولا جنازة، وسيموت ود الريس على يد حسنة بسبب رغبته الجامحة في الزواج والطلاق، وسيلتهم النيل مصطفى سعيد لأنه تعلّق بأرضه في يوم ماطر، وسيظل ابن القرية/ الراوي ينظر إلى جده، ومحجوب، وبنت مجذوب، وأهل قريته، يتفرس في وجوههم، وفي طباعهم قائلا: "هؤلاء القوم لا يدهشهم شيء. حسبوا لكل شيء حسابه. لا يفرحون لمولد ولا يحزنون لموت. حين يضحكون يقولون: "أستغفر الله" وحين يبكون يقولون: "أستغفر الله". لا يقولون: وأنا ماذا تعلمت؟ تعلموا الصمت والصبر من النهر والشجر".

الأربعاء، 22 أبريل 2020

كتاب جوادر تحت السيادة العمانية






يتناول كتاب جوادر تحت السيادة العمانية الفترة الزمنية التي كانت فيه جوادر تابعة للسلطة العمانية إلى وقت خروجها من السيادة العمانية وتبعيّتها إلى حكومة باكستان في عام 1958م. ولقد قدّمت المؤلفة عرضاً تاريخياَ لجوادر منذ وجود البرتغاليين في المنطقة ثم دولة اليعاربة ثم الاهتمام الكبير لدولة آل سعيد بهذه المنطقة بدءاً من السيد سلطان بن الإمام أحمد إلى السلطان سعيد بن تيمور.


كما يقدّم الكتاب لمحة عن منطقة جوادر من حيث موقعها، وتضاريسها، وأهميتها الاقتصادية، وتركيبة سكانها، وأهم الملامح التاريخية التي مرّت بها. ويتبيّن لنا من الموضوع الذي تطرّقت له الباحثة والمعلومات التي وردت فيه أنّ الباحث قامت بجهد كبير في جمع المعلومات من خلال المراجع التاريخية التي عادت إليها لتقديم صورة وافية للمنطقة، أو من خلال الزيارات الميدانية التي قامت بها في جوادر، أو من خلال اللقاءات التي أقامتها لبعض الشخصيات التي عايشت تلك الفترة في جوادر، حتى انتهت لنا بمعلومات تاريخية مكتوبة أو مروية لم تكن لتصل إلينا لولا هذا الجهد.


ورغم الجهد الكبير الذي ظهر جليّاً في الكتاب، فإنه ينبغي الإشارة هنا إلى أن طبعة الكتاب لم تكن عند ذلك المستوى المأمول، للآتي:

1.   طبعة الكتاب من الإخراج وتناسق الفقرات وتباعد الأسطر سيئة جدا، توحي بأنّ الكتاب قد طُبع قبل ستين سنة أو أكثر وليس عام 2015م.

2.   الهوامش السفلى غير منظّمة، ومتداخلة الصفحات، فالهامش(4) مثلا موجود في الصفحة المقابلة للصفحة التي فيها المعلومة المنقولة، إضافة إلى تراص الهوامش بعضها مع بعض.


وبالحديث عن الهامش فإنه يمكن القول إن الباحثة اشتغلت على الهامش كونه متناً آخر، تقف عليه في كل صغيرة وكبيرة تقدم من خلاله المعلومات التي لم ترد في المتن، وتتوقف مع شخصيات الدراسة بالتفصيل وكذلك الحال مع التفاصيل التاريخية والأحداث والكتب والمراجع، حتى صار الهامش مثقلا بالتفاصيل. إلا إن ذلك لا يلغي الجهد الذي قُدّم بل هو جهد تشكر عليه الباحثة في عرضها للمعلومات والحقائق.


إنّ الكتاب في مجمله وثيقة مهمة لفترة تاريخية من تاريخ عمان، وذا فائدة لكل مهتمٍ بالشأن العماني الداخلي والخارجي، ولمن يتتبع دور الحكومة العمانية لاسيما السلطان سعيد بن تيمور في محاولة الحفاظ على هذا الجزء من السيادة العمانية رغم الضغوطات والمشاكل الاقتصادية التي كانت تحيط به وبالسلطنة تلك الفترة الزمنية.








السبت، 18 أبريل 2020

كتاب: محمد الماغوط.. حطاب الأشجار العالية



محمد الماغوط.. حطّاب الأشجار العالية



عن دار كنعان السورية صدرت هذا العام الطبعة الأولى من كتاب محمد الماغوط.. حطّاب الأشجار العالية وهو على ما يبدو طبعة معدّلة لكتاب (اغتصاب كان وأخواتها). ويشمل هذا الكتاب حوارات مع الماغوط يتحدث فيها عن الشعر ومسيرته الشعرية وعلاقته بجماعة شعر، وعالم السجن الذي شكل مفارقة في حياته الإبداعية.

وفي الحقيقة تستهويني كثيرا كتب السير الذاتية وغير الذاتية لما فيها من أسرار وذاكرة تقوم السيرة بتناولها عن حياة الكاتب والمبدع، كذلك تستهويني قراءة كتب الحوارات كونها نوعاً آخر من كتب السير، لما تتناوله من حياة الكاتب وإخراج ما هو مخبوء في ذاكرته.

وعندما أهدتني صاحبة دار كنعان الكتاب في معرض الكتاب الماضي أخبرتني أنني سأجد شيئا مختلفا في ذاكرة محمد الماغوط، وحياته، ومسيرته الإبداعية، وبالفعل إنّ الكتاب يرصد لنا مسيرة هذا الشاعر منذ الطفولة حتى أواخر حياته. وبأخذك الكتاب إلى مراحل مختلفة من حياته في الطفولة وفي السجن ومع جماعة شعر، وتظهر شخصية الماغوط هنا كونها شخصية حادة الطباع، قاسية الأحكام، غير مجاملة، ويمكن أن تلحظ ذلك في إطلاقه الأحكام على الشعراء الذين عاصروه، كأدونيس ويوسف الخال وأنسي الحاج، فقد وصف محمود درويش بأنه "غير صادق" دون أن يوضح معيار الصدق هنا، وأن أدونيس يكتب "طلاسم" و"لا يفهم شعره"، ونزار "شاعر كبير بقضايا صغيرة"، وغيرهم من الشعراء.

الكتاب مهم لتتبع مسيرة هذا الشاعر الذي أحبَ الشاعرة سنية صالح والتي يعدها أبرز شعرا من نازك الملائكة، أو غادة السمان، وظل وفيا لحبه بعدها.. كل تلك محطات مرت في حياة الماغوط سيجد القارئ متعة في قراءتها ضمن مسيرة الشاعر المثير للجدل والجمال الشعري.



س: ما هي رؤيتك الشخصية لصورة الشاعر القديم؟

ج: أعتقد أننا كأحفاد بائسين، لا بد أن يكون لنا أجدادٌ أكثر بؤسا.


الأربعاء، 15 أبريل 2020

عن رواية شهادة وفاة كلب









ليس غريبا أن يجد القارئ كتاباً مشتركاً لمؤلّفَيْنِ أو أكثر في فرع الدراسات أو المقالات أو البحوث، لكن أن يكون التشارك في إنتاج نص أدبي إبداعي فذلك يبدو شيئاً غريباً أو ليس بالمعتاد لنا تصور اشتراك كاتبين في الأفكار والأسلوب، علماً أن كاتبي رواية شهادة وفاة كلب قد يلتقيا كثيرا في استخدام الأسلوب الساخر، ومعالجة القضايا بهذا الأسلوب، وتكثيف الاشتغال عليه في أكثر من إصدار.


رواية شهادة وفاة كلب نصٌ يجمع الأسلوب الساخر في أماكن عدة، ويمزجها بالسرد الواقعي معتمداً على مرجعيات من الواقع الخارجي المعيش، ويسقطها على شخصيات متعددة لها أمزجتها ونفسياتها وطرائق حياتها المختلفة. 


تُقدّم لنا الرواية اشتغالاً على المضمر الداخلي للشخصيات، حيث تقوم كل شخصية بإبراز ما بداخلها من أزماتٍ وذكريات وأحداث ومواقف، تتسلّل إلى الأحداث، وتعمل على بناء أحداث جديدة إضافة الحدث الرئيس، بانتقال السرد من فضاء لآخر، تقطنه شخصيات أخرى تعمل بدورها على إنشاء أحداث أخرى في فضاءات أخرى مع التقاطع مع الفضاء الأول. مضمرات عدة حفلت بها الرواية وقضايا محورية ناقشتها في أحداثها، لقد ظل الواقع يتداخل مع السردي مشكلَيْنِ مرجعية يتبناها النص ويقدّم من خلالها أفكاراً منظّمة قصدها الكاتب في استلهام مرجعياته الخارجية. 


ومع وجود أحداث عديدة نتجت عن الشخصيات في الرواية، إلا إنّ عضة الكلب الأسود لمؤخرة شخصيتنا الرئيسة يعدُّ الحدث الرئيس في الرواية، إذ تنبني عليه جميع الأحداث المستقبلية منها والماضية، يتراوح معها السرد جيئة وذهاباً كاشفا بها التباسات الشخصيات التي أمامه، والأمكنة. بل يمكن القول إن شخصية الكلب قد لعبت دوراً محوريا في فضح مكنونات شخوص الرواية، واتساع دوائر الأحداث في محيطٍ حُلمي/ غيبوبي للذاكرة. إنك تنتقل مع الأحداث وتعيش انكسارات بعضها، وحزن بعضها الآخر، وأمل الأخرى، فيما تظل الشخصية الرئيسة متذبذبة في الأحداث، مرةً يحكمها الخوف من المجهول ومن الماضي لا سيما المتعلقة بالكلب وأخيه محمود، ومرة يسكنها التشاؤم لنبوءات أمه، ومرة يعيش حياة التفاؤل لحبه لجمانة.


جمانة أيضا لعبت دورا مهما في السرد، فهي شخصية عملت على الاشتراك مع الشخصية الرئيسة بإعطائها مساحة من التخيُّل المدهش، والحركة داخل النص، والصراع مع الذات والآخرين، إلا إن الماضي وصرخات أخيه محمود "أنا لستُ سوى كلب"، لماذا ظل يطارده هذا الصوت؟ هل كان يسمع فيه صوتاً آخر له؟ 


بموت محمود تشتعل حكاية الكلاب، وتظل تؤرق أخاه، ويبدو أنه لا سبيل للخلاص من هذا الصوت إلا بانقطاع الماضي، والبقاء في الحاضر، ولن يتم ذلك إلا بوجود جمانة، وها هي تعيد نفض الحكاية، وتهزّ الأحداث في غيبوبتها معلنةً وفاة كلبٍ بكلّ ذاكرته، وأحلامه، وأمكنته التي عبّرها، وسنين طويلة من الخوف والترقُّب.



هل بالفعل يمكنُ أن يكون الخوفُ كلباً أسودَ يطارد أحلامنا؟؟

الجمعة، 10 أبريل 2020

كتاب الأيام لطه حسين






أذكرُ هذا الكتاب جيداً، اشتريته صيف 2008م ب13 جنيها ونصف من المعرض الدائم للكتاب بالهيئة المصرية العامة للكتاب، ثم صار حبيس مكتبتي الشخصية إلى هذا العام. صار الكتاب أمامي، أُطلُّ عليه كل يوم، ويُطلُّ عليّ، حتى حان موعد خروجه من الرفّ.

يعد كتاب الأيام لطه حسين (1889-1973) من أهم الكتب في الأدب العربي الحديث، كونه يتناول سيرة شخصية ثقافية لواحد من أهم كُتّاب القرن الماضي. يرصد الكتاب سيرة عميد الأدب العربي في طفولته في أرياف مصر، وفي القاهرة أيام تعلمه في الأزهر والجامعة، وأثناء سفره لفرنسا لاستكمال دراسته. كما يوثّق كتاب الأيام للحياة في مصر بكل صورها الريفية والمدنية ويقيم صراعا بين المؤسسات المختلفة، كما يحيل على مرجعيات ثقافية ينبني على فكر طه حسين الأدبي.

ينقسم الكتاب في مضمونه إلى ثلاثة أقسام:

الأول: الطفولة الأولى التي عليها المؤلف، حياة الأرياف البعيدة عن القاهرة، وكيف كانت طفولته في ظل العمى الذي يحاصره. ينقل لنا طه حسين مظاهر الحياة في الريف، الحياة في البيوت، الكتاتيب، معلم القرآن، الفعاليات والعادات، ويظهر فيها طه حسين يعاني من حالة العمى الذي عليه، وهنا تظهر الإشارة الأولى لتأثره بأبي العلاء المعري.



الثاني: الحياة في القاهرة، والسفر لطلب العلم في الأزهر، وهنا يرصد لنا حياة الأزهر، والمدرسين فيه، ونظام التعليم الذي فيه، مع وصف للقاهرة وبعض شوارعها، والمكان الذي كان يسكنه ويتشارك فيه مع أخيه، كما يذكر انتقاله للتعليم في الجامعة وشغفه بطريقة تدريس الأساتذة فيها.



الثالث: رحلته إلى فرنسا لاستكمال دراسته والصعوبات التي واجهها في سبيل التعليم هناك.



إنّ كتاب الأيام ليس كتاباً في السيرة فقط، بل هو أيضا كتاب توثيقي في للمكان، والشخصيات، لقد صوّر مؤلفه بأسلوب بسيط وسهل، ثقافة المكان في كل جهة تنتقل إليها الأحداث، كما سرد نفسيات الشخصيات وواقعها وسماتها سردا بديعا يجعل القارئ يعيش ذاكرة الإنسان المصري بداية القرن الماضي. ويحيلنا الكتاب على عدد من المرجعيات الثقافية والاجتماعية والسياسية التي عملت على تشكيل ثقافة طه حسين الأدبية والتي أنتج بها أعماله المختلفة، من هذه المرجعيات، المرجعية الاجتماعية للثقافة الشعبية الريفية، والمرجعية المكانية لمؤسسة الأزهر الذي أمدته بكثير من الاختلاف الفكري، كما أدى اطلاعه على كتب التراث على تشكيل المرجعيات الثقافية والأدبية في نتاجاته المختلفة.



في الأخير: فعلا أنا أحسد طه حسين على ذاكرته القوية التي نقلت أدق التفاصيل في الكتاب نقلا سماعيا رغم السنوات الطويلة بين الأحداث والتأليف.




الجمعة، 7 ديسمبر 2018

سمكتا مطرح لحمود سعود




سمكتا مطرح

 السمكتان الواقفتان في وسط الدوار في مطرح لم يفكر أحد بهما، ولم تغريا أيّ صيّاد؛ ليحملهما لبيته لكي يلعب بهما أطفاله، أو لتكونا وجبة لذيذة لعائلته، ولم تتعاطف معهما ربات البيوت وهن قادمات من القُرى البعيدة إلى سوق مطرح. ولم تُلتف إليهما عدسات كاميرات السائحات الأوروبيات المندهشات من سوق الظلام.

وحده القط الجائع الواقف على الرصيف فكّر أن يقطع الشارع وساحة الحكاية، وأن يحاول الوقوف فوق رأس إحدى السمكتين في الدوار، ويسرد لهما قصة سلالاته الهندية، وكيف أصبح مُشردا متشردا في مطرح. وكيف تركته العائلة الهندية التي تركت روي ورجعت إلى نيودلهي لتستطيع الابنة الوحيدة للعائلة دراسة السينما الهندية، التخصص الذي حلمت به منذ كانت طالبة في المدرسة الهندية في دارسيت.

وقف القط الأسود على الرصيف يسرد حكاياته، التي مزجها ببعض الخيال الذي أزعج السمكتين، لم يعر العابرون والسائحات والسفن وأسماك ميناء مطرح أي انتباه لهذه الحكايات التي سردها القط الأسود.

سألت السمكتان القط عن بحار بلاده وعن أسماكها، أخذ القط يُغنّي ويبكي حنينا.

حدّثَتْ السمكةُ الواقف على جهة البحر من الدوار القطَ عن حنينها الأبدي للماء:

” في الليل عندما تنام مطرح وسوقها وقراصنتها وسفنها الضخمة، يصيبني الضجر، وأبدأ بالغناء للبحر، ربما سيُلتفت لصوتي. في ليلة كنتُ أغني وأبكي مرَّ عليّ صياد، وبدأ يصرخ وهرب”.

في اللحظة التي كانت تتحدث السمكة عن حنينها الأمومي للماء، حطَّ فوق رأسها طائر طار من إحدى السفن الضخمة الرابضة بكسل أبدي في ميناء مطرح، وبعدما أكل وجبة عشاء فاخرة خزق فوق رأس السمكة بدون أي تقدير للحوار الدائر بين السمكتين وضيفهما القط الأسود. قالت السمكة الواقفة على جهة المدرسة السعيدية لرفيقتها في الدوار وللقط:

ـ ماذا تريدان من طائر يأكل من فتات السفن الضخمة والصيادين؟ ماذا تتوقعان من طائر ترك صوته ونزل يتسول من الغرباء؟

 بعدما خزق الطائر فوق رأس السمكة، طار صوب سوق السمك لينام فوق سقفه، منتظرا قدوم الصيادين في الصباح.

قال القط لنفسه : ماذا أفعل بسمكة ضجرة ووحيدة ومهملة ومهمشة ومتسخة الرأس؟

 اقترب القط من الدوار محاولا تسلق السياج الذي يحيط بالدوار، من دون أن يلتفت جهة الشرق، في منتصف الشارع داست عجلات سيارة شرطة مسرعة، لتدوّن مخالفات مرورية رأس القط الأسود الذي كان في طريقه لتنظيف رأس السمكة الذي اتّسخ بسبب طائر السفن الضخمة.

عينا القط الميت عند دوار السمكة في مطرح شاهدتا الشرطيين يسجلان أوراقا ويضعانها على الزجاج الأمامي للسيارات. رأت عينا القط الميت كذلك رجلين يجلسان أمام مسجد الرسول الأعظم يناقشان حربا قادمة. قبل أن تخرج روح القط الأسود في الشارع تذكر الطفلة التي تدرس الآن السينما في إحدى جامعات الهند.

الشرطيان عندما رجعا من مهمة تسجيل الأرقام على الأوراق البيضاء وزجاج السيارات، مرّا مرة أخرى على دوار السمكة ( اللتان كانتا تبكيان في تلك اللحظة) دون أن يلتفتا إلى رأس القط الأسود الميت، سمعت السمكتان سائق سيارة الشرطة يقول لزميله : بعدني ورائي خط الباطنة.

رد عليه زميله: وأنا ورائي خط الشرقية.

قالت السمكة المتسخة الرأس لنفسها : وما دخل خط الباطنة والشرقية في دهس قط أسود؟ وصمتت.

امرأة أوروبية كانت تطل من شرفة الطابق الثالث من فندق النسيم شاهدت مشهد دهس القط، كانت تشاهد فيلما وثائقيا عن تاريخ القطط.

…..

في الليل سمع أهل مطرح سمكة تغني لقط ميت.

 

حمود سعود

الجمعة، 2 نوفمبر 2018

غفلة الساحر لمحمود الرحبي




غفلة الساحر/ محمود الرحبي

 

حين قرر كبير سحرة بهلا أن يتوب ، ويهوي بضربة السيف على عنق أسطورة السحر في عمان، كان عليه أن يصل إلى حيلة ليقطع بها الفرضة الموجودة في سوق نزوى ، التي يستظل بها ضحايا السحرة هناك ، حيث تتم المزايدة عليهم قبل سحبهم تحت الستارة التي تخفي بهجة الضيافة والأكل، ليصنعوا بهم ما يشادون من حوارق .

ولأن لك الغرفة لا يمكن قطعها إلا بيد أصحابها، فإن مشقة البث عن حيلة

أخذت وقتا طويلا في رأسه .

ومثل هذه المعارك كانت معروفة بين الطرفين ، واتيان الخروقات في التعامل مع الضحية ،حتى أن سوقي المدينتين كانا مثار العجائب في مسخها وابادتها ، فحين يأتي سحرة نزوى بفعل خارق في ضحية ما، وتنتشر بين الناس ، فإن سحرة بهلا لابد وأن يظهروا بخارقة أكبر، وتستمر اللعبة وفي ميدان الضحية وحدها ، دون أن يطال السحرة شيء منها، وحين قرر كبير السحرة في بهلا التوبة ، والامتناع عن أكل لحوم الناس والعبث بأرواحهم كان ذك بمثابة فتح شرخ عميق ، وسابقة مهدت تصدع وذوبان صناعة السحر في عمان .

كانت فعلة كبير السحرة هي أن يتحول إلى ضحية ، ويذهب إلى تلك الفرضة ، وحين دخل المدينة لم يتعرف مليه أحد من نزوى، حيث بدي ملثما وفي لباس البدو وعيناه تشعان بالحذر، وحين اقترب من لك الفرضة ، وجد فلا واسعا تتوسطه حصيرة سعفية يتوسطها مسن تمر ودلة قهوة وإناء، تعوم في مائه ثلاثة فناجين مثلومة الحواف .

اقترب من الظل بحذر وثنى ركبتيه ثم مد يمينه علي الصحن وعيناه تدور ان في محجريهما دون توقف ، أن ذاك اقتربت أربعة ظلال من خلف جدار طيني قرب الفرضة ، كانت تظهر أعناقها في الأرض الرطبة وهي تتلوى وتهمس في جدل صامت ، وكبير السحرة يراقب بتك العينين الساطعتين ما يدور في ذلك الخفاء.

وحين انزاح أحد الظلال من مجموعته مقتربا ، عرف بأنه الساحر الذي رست طيه بيت ، وحين ظهر بملامحه ، أخفى كبير السحرة عينية ملتهيا بهز القطرة الأخيرة في فنجان القهوة ، ثم رفعها دفعة واحدة إلى حلقه وفي هذه اللحظة اصطدمت عيناه بيني الرجل القادم ، فتفرس في هيئته فبادله الأخر النظرة فارجا أساريره بخبث وهو يشرب .

حياه كبير السحرة واقفا ، ثم أجلسه بجانبه ، ودار بينهما حديث طويل ، قبل أن يقترح القادم ضيافته للعشاء في بيته .

قبل ذلك عرجا علي المسجد الكبير في نزوى الصلاة ، حينها تهاطل الغروب وبدأت جميع ظلال المدينة بالانسحاب .

تقدما بصمت في شارع تضيئه من خلال الأشجار الأنوار الساقطة من النجوم ، ثم انحرفا في زقاق فيق تطوقه جدران الطين والظلام من كل جوانبه ، وقفا أمام بوابة خشبية وبعد أن طرقها صاحب البيت خرجت امرأة عجوز يتقدمها ضوء سراج واهن ، رفعته في وجهيهما ثم أودعته يد صاحب البيت الذي تقدم يتبعه كبير السحرة بخطوات ثابتة ، أجلسه في غرفة صغيرة ووضع القنديل على مدخلها وخرج .

بقي كبير السحرة وشفتاه تتراقصان بتمتمات متسارعة وعيناه تتفحصان ما يضيئه مدخل الغرفة على أشيائها ، حيث ظهر النصف العلو، لسلاح قديم ، وصفحة من (جزء عم ) محشورة في جرف ، وكتب داكنة ، وخيط عنكبوت بدأ يرتعش ، وفي الأرض ظهر الجزء الأمامي لحصيرة السعف ، وفي دائرة القنديل بدأت تحوم بعض الحشرات الضعيفة إلى أن بددتها خطوات صاحب البيت الذي أفل وفي يده إناء من المرق وضعه بصمت ثم اختفى ، تزايدت تمتمات كبير السحرة ثم أغمض عينيه وفتحهما طر الإناء الذي ارتفع مثل ورما تسحبها خيوط خفية ليلتصق . منقلبا على السقف وصفحة المرق تتلألأ منه دون أن تسقط .

دخل صاحب الدار وفي يده صحن من الخبز، وحين سأل عن إناء المرق أشار اليه كبير السحرة بعينه الجاحظتين إلى السقف ، والتمتمات تهتاج من بين شفتيه دون صوت فباغتته هالة من الذعر، لكنه تراجع إلى شق متآكل في جدار الغرفة ، ومن كيس هناك أخرج حفنة من الرماد ونثرها في جسد الضيف الذي تحول في لحظات إلى (دبية ) (1) وحين تقدم صاحب البيت ليطأها رأى جسده يتحول إلى (قاشعة ) (2)

ويرتفع محمولا بين شفتي الحشرة إلى بهلا.

خرجت الأبية خفيفة من الباب ، وطارت مرتفعة فوق النخيل والكثبان ، مسافات طويلة وحبة القاشع في فمها.

وبعد أيام من صرخات المرأة العجوز، وبشر سحرة نزوى عن رفيقهم المفقود قرر وفد منهم الذهاب إلى بهلا لملاقاة كبير السحرة هناك ، وحين راوه عرفوا أنه ذلك الذي جاء متسترا في هيئة الضيف إلى نزوى ، فطلبوا منه إرجاع رفيقهم ، وحينما رماه إلى أرجلهم في هيئة حبة قاشع استنكروا مما رفين ، لكن ما لبثوا وأن استكانوا ووجوه أن يرجعه إلى هيئته الأولى، رفض كبير السحرة مستنكرا مضايقة الضيوف ومسخهم من قبل السحرة ، وعارضا شرطه الوحيد لإرجاع رفيقهم الممسوخ ، وهو أن يقطعوا تلك الفرضة التي يستظل بها الضحايا ، تردد سحرة نزوى ودار بينهم هرج كثير قبل أن يقطعوها.

 

نُشرت القصة في مجلة نزوى عدد أبريل 2000

1) مفرد دبي. صنف من الحثسرات اللاسعة .

2) مفرد قاشع . أصفر أصناف السمك المجفف ، تملح بجلاء أمام بيوت الصيادين ببريقها الفضي الساطع .