السبت، 9 يونيو، 2012

عندما يكونُ الكتابُ قريباً منكـَ


سمعتُ كثيراً عن أممٍ وشعوبٍ أصبحَ الكتابُ رفيقها في حلها وترحالها. يجالسهم جُلَّ يومهم، فإذا سافر الواحدُ منهم عبر القطار أو انتظر في المحطة لا تجده إلا ممسكا كتابه أو مجلته منهمكاً في القراءة، وإذا استعدَّ للنوم أخرج من تحت وسادته كتابا صغيرا يقلب بعض صفحاته قبل أن ينام، وإذا مشى في الطريق يحمل كتاب الجيب في حقيبته الصغيرة فلربما جلس ينتظر في مكان ما فيفتح صفحات ذلك الكتاب.

كل ذلك سمعناه عن مجتمعات تهتم بالقراءة؛ لأن القراءة غذاء للعقل مثلما هو الطعام غذاء للجسد. لقد عزفت مجتمعاتنا عن القراءة، فأصبحت القراءة عاملا مرتبطا بالدراسة فقط [مع معاناة المعلمين طبعا في دفع الطلاب لذلك]، فأصبح الطالب في أي مرحلة دراسية كانت لا يقرأ إلا ما يقربه من الاختبار، خلاف ذلك فإن الكتاب برائحة المطبعة التي هو عليها يبقى على رفّ المكتبة لا تعمل أي يد على تحريكه إلا لنفض الغبار عنه.

لقد بعدت المسافة بين القارئ والكتاب، وأصبح تفكير الفرد في مجتمعنا متعلق بالأنظمة الإلكترونية الحديثة، جوالات وحواسيب وآيبادات، وبرامج حديثة، ولكننا نذهب ونذهب ومشكلتنا الأساس في القراءة والكتابة؛ فمهما صرنا أذكياء في عالم التكنولوجيا فإن ذلك لن يغير شيئا إذا كنا غير قادرين رسالة نصية أو بالواتس أب؛ وما جدوى أن أستخدم البلاك بيري مثلا وأنا لا أستطيع أن أكتب رسالة فيه أو يستطيع أصدقائي قراءة ما أكتب. هذا واقع، يقول أحدهم: أنه يتواصل مع أصدقائه في كل أموره بالاتصال؛ وذلك لأن أصدقاءه لا يجيدون قراءة الرسائل ما لو أرسل لهم مع أنهم قد أنهوا دراسة دبلوم الشهادة العامة. أقول ذلك لأننا منذ الصغر بعيدون عن العالم القرائي والكتابي، لم تتعود ألسنتنا وعقولنا على قراءة المفردات... نحتاج أن نجعل الكتاب قريبا منا، قريبا من أبنائنا، أينما اتجهنا نجد الكتاب رفيقنا، في أماكن الانتظار، وحقائبنا، وسياراتنا.

في بادرة رائعة من إحدى الدول الخليجية وعندما أرادت أن تقرّب الفرد في المجتمع من الكتاب، جعلوه [الكتاب] يلحق بالفرد حتى في أماكن تسوقه، حيث تم افتتاح مكتبة عامة تتبع وزارة الثقافة في أحد المولات الكبيرة، فإذا كان أبناؤك يتسوقون ولديك متسع من الوقت وليست لديك الرغبة في التسوق فيمكنك قضاء وقتك بين صفحات الكتاب، وإن كنتَ تشكو من بُعْد المكتبات العامة أو شحّها فها هي المكتبة تتبعك حتى في مكان تسوقك.

لقد شدني الفضول للدخول إلى المكتبة لأرى أي كتب سأجد، إنها مكتبة متنوعة في مختلف المجالات والعلوم، وبها ركن خاص لكتب الأطفال ومقاعد خاصة للأطفال. والجميل أن هناك من يبحث عن المعلومة ويدوّن ويقرأ من مختلف الجنسيات. أقول وبكل صراحة كم تمنيت أن أجد مثل هذه المكتبة في مراكز تسوقنا وبدعم من مؤسساتنا الحكومية على الأقل إن لم ندخل المركز للتسوق سندخل لنبحث عن كتاب... تنقصنا المكتبات العامة التي تضم كتبا متنوعة لا كتبا لا تريدها جهة معينة وتقرر التخلص منها برميها في مكتبات الأندية التي لا يدخلها أحد. نحتاج أن نعيد نظرتنا للكتاب ونجعله قريبا من المجتمع، نعيد صياغة وبلورة الاهتمام الفكري والثقافي لأننا يوما بعد يوم ننزلق إلى أسفل السافلين فقط لأن عقول وتفكير أبنائنا أصبح ضحلا ضحلا...

الأربعاء، 6 يونيو، 2012

كتاب: (الخلافات السياسية بين الصحابة)








لعل الحديث عمّا دار بين الصحابة في القرن الأول من الإسلام شائكٌ وطويلٌ؛ لا ينبغي الخوض فيه لمن ليس له دراية بالتاريخ وأحداثه. فقراءة كتب التاريخ لا سيما التي تناولت تلك الحقبة بشيء من الدقة والموازنة في الطرح تحتاج لبصيرة في النقل والفهم، فما كل من قرأ فهم، وما كل من فهم له قدرة على الطرح والتحليل. كما أنه ليس كل كتاب بنقله التاريخي هو في مضمونه كتاب صالح من خلاله لإصدار حكم عن حقبة تاريخية عاش فيها أناس كصحابة رسول الله. لذلك ما ينبغي –لمن ليس لديه الدراية- ألا يخوض في فيما شجر بين صحابة رسول الله، وليمسكْ لسانه من اعتقد أنه قادر على الوصول إلى دواخل تلك النفوس الطاهرة.




لقد فهم الخليفة عمر بن عبدالعزيز –رحمه الله- هذه القاعدة عندما سُئلَ عما شجرَ بين صحابة رسول الله رضوان الله عليهم، فقال: "تلكَ دماءٌ طهَّرَ اللهُ يدي منها، أفلا أُطَهِّرُ لساني." وللأسف فإن في زماننا هذا كثيرون لم يفهموا ما فهمه الخليفة عمر بن العزيز، فجعلوا من منابرهم ومنتدياتهم وصفحاتهم على الفيسبوك والتويتر مسرحا للخوض والتشفي من صحابة رسول الله، ولو أنهم فهموا ما فهمه خليفة المسلمين ووقفوا على نصوص أخرى للرسول الكريم، لتجنبوا على الأقل الخوض في أعراض تلك الحقبة الزمنية...




ولكن كل ذلك لا يمنع إعادة قراءة تلك الحقبة التاريخية من خلال فهم وتحليل الكتب الصحيحة التي وقفت في رواياتها على أسانيد معتمدة. ومن الكتب التي قامت بتحليل تلك الفترة الزمنية بأحداثها السياسية وشخصياتها ورواتها كتاب (الخلافات السياسية بين الصحابة) لمؤلفه محمد بن المختار الشنقيطي، الذي أعد رسالته هذه في مكانة الأشخاص وقدسية المبادئ. ومحمد من خلال اهتمامه بالفكر السياسي حاول الرجوع هنا إلى تراث شيخ الإسلام ابن تيمية –رحمه الله- لا سيما في كتابه (منهاج السنة) و(مجموع الفتاوى) للخروج بأكثر من عشرين قاعدة في فهم الأسس والقواعد التي من خلالها حلّل شيخ الإسلام ابن تيمية بعض الخلافات التي وقعت بين الصحابة، والأحداث التي وقعت وأشكلت على كثير من المؤرخين في فهم ذلك التاريخ وأصبح لديهم خلطا في كتبهم المختلفة. لقد استفاد الشنقيطي من تراث ابن تيمية للتفريق أو لتوضيح الفارق بين المكانة التي عليها الأشخاص وقدسية المبادئ، فجاء هذا الكتاب متناولا لآراء جاءت بها كتب رواة ثقاة في النقل التاريخي.




لقد درس الشنقيطي الخلافات السياسية بين الصحابة في ضوء ما جاء به ابن تيمية الذي عدَّه أعمق وأوسع من درس الخلافات السياسية بين الصحابة، والذي رأى في مؤلفاته خير من جمع بين الدفاع عن الصحابة وبين الدفاع عن قدسية المبادئ الإسلامية. فقسم كتابه إلى مدخل تاريخي واثنتين وعشرين قاعدة لفهم ما دار بين الصحب الكرام تناولا وتحليلا وقراءة للنصوص الواردة في كتب الرواة الثقاة، ثم تطرق إلى بعض الملاحظات على منهج ابن تيمية في مؤلفاته، ومآخذ على منهج الشيخ ابن العربي وعلى كتابه "العواصم"، وخاتمة.


إن المتأمل في كتاب "الخلافات السياسية بين الصحابة" يجد أنه كتاب تحليلي، (سواء وافق القارئ على ما أتى به المؤلف أحيانا أم اختلف معه)، تحليلي للروايات التي جمعها من أمهات الكتب والتي روت ما دار بين الصحابة الكرام من خلافات سياسية قائمة على التطلع إلى السلطة والحروب التي قامت حينها. كما يُظْهِرُ هذا الكتاب مدى اطلاع مؤلفه الواسع على التاريخ؛ ويظهر ذلك من خلال ردّه لبعض الروايات وتصحيحه لبعضها الآخر ومقابلتها ببعض الروايات التي لم يقف عليها بعض الرواة، فهذا ناتج من وفرة في الاطلاع التاريخي. ولقد عدّ المؤلف هذا الكتاب من مؤلفات "الفقه السياسي" أكثر من كونه كتابا في السرد التاريخي، فاجتهد في تحليل النصوص وتمحيصها وإبداء الرأي حول ذلك. فهل من وقت ولو قليل للتعرف على فكر كاتب وقف على تلك المرحلة التاريخية الحرجة؟