الخميس، 17 سبتمبر، 2009

درويش .. حضور في الحضور




درويش .. حضور في الحضور

" درويش يرحل كما تنبأ دون ضجيج ! " ، هكذا وصلني خبر الرحيل ، هلال البادي بعث التعازي حارة في الأرجاء ، فأعادتني الذاكرة قليلا لأسبوع سابق ، إلى ذلك المساء المحمّل برائحة اللبان الجنوبي ، والأفق الممتد في حضورٍ خريفي رائع . هناك على طاولةٍ واحدة في مطعم الفندق الذي جمعنا في الملتقى الأدبي الرابع عشر بصلالة ، كنا أنا والشاعر حسن المطروشي نتحدث قليلاً عن الشعر فأخذنا الحديثُ إلى محمود درويش ، تطرقنا إلى ديوانه الأخير " أثر الفراشة " ، أذكر يومها أنّي تلوتُ شيئا من همزيته في الديوان ، والتي ربما كان يتحدى من خلالها قلبه الصغير ، لم نكن ندري ونحن في خضم الحديث عنه أنَّ الموتَ الذي غلبتْه الفنون جميعاً كان يتحيَّنُ فرصة ليعلن من خلالها انتصاراً تاريخياً على أفق الحياة !!

كان الحديثُ ساعتها عظيماً رغم قصره ، لمَ لا ؟! والمُتَحَدَّثُ عنه درويش الذي حمل الكلمة على جناحٍ وحلّق بها بعيداً ، درويش الذي أهدى السماء لوناً درويشياً برائحةِ الأمل ، إنّه درويش فكان لزاماً أن يتحدثَ عنه القلب وأن تخفق له الروح .

قبلها فقط بيومين كنت والقاص محمد سيف الرحبي نستمع إلى تسجيل صوتي لدرويش من أمسية أقامها في أبوظبي ، كان الشعر حاضرا صوتا يدغدغ الآذان ، ويرحل بالقلوب بعيدا ، درويش حضر في هذا الأسبوع أكثر من مرة ، ثم رحل في الأسبوع الذي يليه في وداع أبدي !!

وأنا أستقبل رسالة هلال البادي على هاتفي ، أدركتُ أنها ساعةٌ فقد فيها الشعرُ الحديثُ عموداً من أعمدته ، الطائرُ المحلقُ فضاءَه الممتدَ ، إنّه محمود درويش أجمل من حمل مشعل الشعر في زماننا ، توالت بعدها الرسائل نقلا عن القنوات الإخبارية التلفزيونية ما بين مؤكدٍ للخبر ونافٍ له ، إلى أنْ جاءتْ جهينةُ أخيراً بخبرها الأكيد برحيل الشاعر محمود درويش في الولايات المتحدة على إثر عمليةٍ أجراها في القلب ، ذلك القلب الذي ظل درويشُ طويلاً حاملاً سرَّه معه ، يُخْبرُ عنه في شعره ، بعدها يأتيني اتصالٌ هاتفي من الشاعر حسن المطروشي يذكرني بالحوار الدرويشي الذي دار بيننا هناك في صلالة ، وكأنّ القدر أراد لنا أن نذكره لحظة احتضاره تلك ، إذن رحلَ درويش وهو الذي قال :

" أحِنُّ إلى خبزِ أمّي
وقهوةِ أمّي ،
ولمسةِ أمّي ،
وتكبرُ فيَّ الطفولةُ
يوماً على صدرِ يومِ
وأعْشقُ عمري لأنّي
إذا مِتُّ
أخجلُ منْ دمعِ أمي .. "

هذه المرة يا درويش ترحلُ دون أن تخجلَ من دمع أمّك ، رحيلُكَ جاءَ بمذاق الصبر الذي رسمته شعراً طيلة السنوات الماضية ، والأمل الذي كنت تحمله لشعبٍ أفاق على نكبةٍ إثر نكبة ، ونحنُ مثلكَ كنا نحنُّ لذلك الخبز ، القهوة ، اللمسة ، للحياة التي عشناها في طفولتنا ، كلما مررنا على هذه الكلمات استرجعنا داخلنا ذلك الزمن ، وحدكَ من أحبَّ تلك الحياةَ ، وأظنّكَ أخيراً أحببتَ أن تفارقها وأنت تردد :

" على قلبي مشيت كأن قلبي ..
طريق أو رصيف أو هواء "

هكذا هو الشعر عندما يبقى شاهدا ومتحدثا ، رحل درويش وبقيت الكلمة في جدار القصيدة العربية ، محمود ترك حروفه معلقة للزمن ، وعلى امتداد الفضاء الشعري الطويل يبقى حصان الشعر يحمل ذلك المشعل ، تبقى القصيدة الشعرية محملة بأسرار لا تعرفها إلا أقلام نسجت حروفها من ذهب ، ودرويش آخر هذه الأقلام ، شاعر ولدته الحياة ، فأوجد لنا الإصرار ، منحه الزمنُ الغيابَ ، فأوجد لنا الحضور ، منحته القصيدة الحبَّ فأوجد لنا الجمال ، وجمال درويش في الغياب وفي الحضور .

فمساء درويشي أخير لنزف القصيدة العربية .




تحت المطر ..

يذكرُ صاحبُ البيانِ والتّبيينِ أنَّ لفظَ "المطرِ في القرآنِ وردَ في مواضعِ الانتقامِ ، والعامةُ وأكثرُ الخاصةِ لا يفصلون بين ذكرِ المطرِ وبين الغيثِ" ، ورغم ذلك فالمطرُ ظلَّ حاضراً في حديثِ الناسِ سواءً كان نعمةً أم نقمةً ، فهو أقربُ إلى عواطفهم وأذهانهم ، فيأتي الاستخدامُ مأهولاً بأسرارِ اللفظةِ الأقربِ إليهم .

ويبقى المطرُ لغةَ الحياةِ ، فهو الماءُ المتدفّقُ في عُروقِ الأرضِ ، الواهبُ اخضرار الكونِ ، يرى فيه الأدباءُ روحاً تجمعُ بين قلوبٍ أنهكها الانتظارُ ، ولغةٍ جافةٍ ترفعُ أكفَّها نحو السّماءِ ، فكانوا – وحدَهم - العينَ التي أبصرته من بعيدٍ ومن قريب ، فانبرتْ أقلامُهم تتحدثُ عن علاقاته الحميميةِ . إنّها لغةُ الأقلامِ المتخيلةِ التي تبني من الصّورة فضاءً ممتداً بين المشرقِ والمغربِ ، فرسمتْ اللوحةَ كما رأتها أولَ مرةٍ ، يعبّرُ نزارُ عن عقدته المطريةِ قائلاً :

أخافُ أنْ تمطرَ الدنيا ولستِ معي
فمنذُ رُحْتِ .. وعندي عقدةُ المطرِ

فربطَ نزارُ عقدته مع المطر بالأنثى ، وهي صورةٌ متشكلةٌ في ذات الشاعرِ نتيجة البعدِ والفراقِ ، ويبني السّيابُ من المطرِ أنشودته الكبرى مازجاً بين الخلود والحرية المتحركة في أفق الحياة :

أتعلمينَ أي حزنٍ يبعثُ المطر ؟
وكيف تنشجُ المزاريبُ إذا انهمر ؟
وكيف يشعرُ الوحيدُ فيه بالضياع ؟
بلا انتهاءٍ – كالدم المراق ، كالجياع ،
كالحب ، كالأطفال ، كالموتى – هو المطر!

فجاء المطرُ معبراً عن أسرارٍ داخليةٍ يترجمُها النّصُ في مشهدٍ ثائرٍ ، متقمصٍ دور الحزنِ والوجعِ ، نازفٍ كل إرهاصاتِ الوجودِ . أما محمود درويش فاكتشف بيروتَ من المطرِ الذي رسمَ لوحةً خلابةً على صفحةِ البحرِ ، فجاء اسمُها مشتقاً من الطبيعةِ والجمالِ ، يقول في رائعته بيروت :

من مطرٍ على البحرِ اكتشفنا الاسمَ ، من طعمِ الخريفِ
وبرتقالِ القادمين من الجنوب ،
كأنّنا أسلافنا نأتي إلى بيروتَ كي نأتي إلى بيروتَ ...
من مطرٍ بنينا كوخنا ، والريحُ لا تجري فلا نجري ، كأنَّ الريحَ
مسمارٌ على الصلصال ، تحفرُ قبونا فننام مثل النملِ في القبوِ الصغيرِ

والواقع أننا اليومَ في أمسِّ الحاجة إلى المطرِ ، لا ليروي صحراءنا القاحلةَ فقط ، بل لنتعرفَ على معنى الحياةِ به ، نحتاجُ للمطرِ كما آمنَ به نزار كي نمزقَ عقدتنا الكبرى مع الآخرِ ، ونهدِّم الجُدُرَ التي بنيناها زمناً طويلاً والتي تشكَّلتْ عنها أوهامٌ حجبتْ عنا نورَ الشَّمسِ ، نحتاجُ لمطرِ السَّيابِ حتى نعلنَ عن ثورةٍ كبرى على تقاليدَ مزيفةٍ ألبستْنا التقوى والصلاحَ ، والانخراطَ في سلكِ الصالحين دون أنْ ندوِّنَ صحيفةَ عبورنا للماءِ المقدَّسِ ، نحتاجُ لمطرٍ درويشيٍّ كي نتعرفَ على ذواتِنا من غيرها ، عن تجربتِنا الحقيقيةِ في الحياةِ ، ودورنا فيها ، كي نتعرَّفَ على مدينتنا الأدبيةِ التي نطوفُ عليها سبعاً دون أن نطلقَ عليها اسماً يجعلُ منها مدينةً عظمى فاضلة ، نحتاجُ لكلِّ أمطارِ الكونِ لكي نفرِّقَ بين معنى القُبلةِ والقِبلةِ .

المطرُ علاقةُ السماءِ بالأرضِ ، وعلاقةُ النفسِ بالبهجةِ والسّرورِ ، وإذا استلقتْ كتاباتُنا تحتَ المطرِ فذلك لأننا نؤمنُ بقداستِهِ في بناءِ زرقةٍ معماريةٍ للنصِ ، وإذا رقصتْ على أنغامه فذلك لأننا على يقينٍ أن آخره اخضرارٌ يفضي إلى المعنى المتخيّل ، فَتَحْتَ المطرِ تسكنُ أقلامُ تجدُ لها مأوى هناك ، جازمةً أنَّ بعد الظّمأ ارتواءً ، وبعد الإبحارِ وصولاً لجزيرةٍ نائيةٍ .

إنها رحلةٌ رائعةٌ أنْ يجدَ الكاتبُ في المطر ثوباً واسعاً يَعْبُرُ من خلاله أجواءَ الحياةِ ، واضعاً نُصْبَ عينيه عاطفة مفقودة ، أو رحلة نسيها في أحد مدنه البعيدة ، أو طفولة خالدة ، حينها لن يترددَ على مسامعه سوى كلماتٍ كان يرددُها في طفولته لحظة صخبٍ : " مطر .. مطر .. مطر "

قراءة في تلاوة من حضرة الفقد



قراءة في قصيدة " تلاوة من حضرة الفقد لابن الفارض "
لمحمد عبدالكريم الشحي


تأخذُ القصيدةُ العمانيةُ المعاصرةُ شكلاً حديثاً مغايراً عما كانت عليه في السابق ، ويتضح ذلك في جميعِ أجزاءِ النصِ الشعريِّ من حيث ابتعاده عن التقليدية المباشرة ، وبروز التطور الكبير للغة المتفجرة في عوالم النص ، فتأتي النصوص معبرة عن ذلك ، والمتأمل في النصوص الشعرية العمانية المعاصرة يجد بها اتجاها كبيرا للتراث واستلهامه بمدلولاته ، وإعادة بنائه من جديد داخل نص شعري متكامل ، ليس ذلك فقط بل وتوجها كبيرا للغة المتشكلة داخله ، فتأتي النصوص طافحةً بلغة صوفية بحتة ، وهذا ما يظهر لكثير من الشعراء المعاصرين الذين رأوا في هذه اللغة فضاء يقوم عليه النص الشعري ، ورأوا في هذا المنهج سبيلا لبناء شعري جديد نابع من التراث العربي ، فجاءت الكتابة الشعرية امتدادا شعريا لما خلفه شعراء سابقون كأبي مسلم البهلاني وسعيد بن خلفان الخليلي وغيرهم من الشعراء العمانيين الذي طرقوا أبواب هذا المنهج ، وتركوا الباب مفتوحا لمن سيأتي من بعدهم من الشعراء .

وإن كنا نعترف بانفجار هذه اللغة في جنبات النص الشعري المعاصر ، وحضور الجانب الصوفي داخل أروقته ، واستلهام الشعراء لمفردات ودلالات التصوف في كتاباتهم ، فإن الشاعر محمد عبدالكريم الشحي من الشعراء الذين تشربت نصوصهم الشعرية بذلك المنهج ، توجها ورمزا ودلالة ، والذي يرى في " التلاقي بين الفلسفة والشعر والتصوف هو القصيدة " ذاتها ، فأكثر من استلهام الشخصيات / المفردات الصوفية وإعادة تشكيلها في أديم ورقه ، يقودنا الشاعر من خلال لغته العجيبة التي ينحتها من قاموسه الدلالي البديع إلى نصوص ممتلئة بالدهشة ، وخير ما يمثل ذلك قصيدة " تلاوة من حضرة الفقد لابن الفارض " ، إذ يعمد إلى نحت عنوان نصه بطريقة مدهشة ، فيجمع بين الحضرة والفقد في طواف واحد ويبني عليه مفرداته القادمة في النص .

كما يعمد محمد الشحي إلى استدعاء ابن الفارض وإنزاله منزلة روحية غيبية في قصيدته ، والتي يعيدنا من خلالها لذلك العالم الذي ينكشف فيه كل شيء ، وكأن ابن الفارض يعود مسكونا بما تركه خلفه ، يستحضره في هذا الزمان ، ويعيد تلاوته وابتناءه مرة أخرى في واقع انطمستْ فيه كل معالم الرؤية والرؤيا .


:: داخل النص ::

يأتي النص على هيئة حُلْمٍ تعيشه الروح ، تنبني خلاله كل التصورات المتمثلة في الحياة الروحية ، هذا الحلم هو الذي يعمل على تشكيل النص الشعري ، فيقوم بابتناء عالمه الخاص ، وروحه المتشكلة ، فيلجأ الشاعر إلى تكوين بنيته الشعرية معتمدا على الأفعال المضارعة التي تعطيه زمنا مستمرا ، وفضاء ممتدا ، زمنَ الاغتراب الذي يكونه ، أو الحلم الذي تشكَّلَ داخله ، فجاءت دلالاته متكررة في المقطع الأول وكأنه يحدّث عن رحلته هذه بأنها جزءٌ من حلم يعود بعدها لواقعه ، يقول في قصيدته :

" سَيغفو على شَهْقَةِ الحُلمِ هذا التّجلِّي ويمسحُآثامَهُ الصّافناتِ بأسئلةٍ في رخامِ الأثيرِليحبو النّوالُ إليَّ قليلافلِلحُلْمِ حين اسْترابَ النّحيبُأزاميلُهُ ،مزاميرُه ،وجَلوَتُهُ البِكرُ كَشْفٌ عَلِيّيَزِفُّ المَقامةَ صَوبَ الوليّو لِلحُلمِ أدعيةٌ في القِنانِكما دِمَنٍ في ذراعِ الأقاصيتبتَّلَ فيها دمِي واســتفاقَعلى سِدرةٍأرَّخَـــتْ لي خَلاصيولكنّهاغُربةُ اللاّحُبورِ "

يمضي النص بعد ذلك ممتلئا بكل الدلالات التي تمنحه حرية البدء ، وكأن الشعر يحملنا في رحلة منامية – وكذا رحلات المتصوفة رحلة منامية غيبية يعتقدون خلالها أنهم وصلوا للعشق الأبدي واللذة الخالدة – يحملنا في رحلة منامية طويلة ، ثم يجعلنا نستفيق منها على لحظة تتفتَّحُ فيها أسرارٌ كونية عميقة لا يعلم كنهها إلا الحالمون بها ، فيأتي النص على لحظة اتساع دوائر كونية ، يأخذك باشتغالاته المدهشة إلى عوالم أخرى ، العوالم التي يحياها الباحث عن لذةٍ مفقودة ، وكأن النص يخرج أو يتناسى قليلا دائرة الحلم التي بدأها الشاعر ، لينتقل إلى تصوير مشهدي عجيب لحظة الغمرة المرتقبة ، يتنقل الشاعر بين عوالمه باحثا عن لحظته التي يطرقها ، وكأنّ المسافة كلها تتكون في حُلْم ، ثم غيبوبة ، ثم اغتراب ، ثم عودة أخرى لذات الحُلْم ، وكأن المشهد يتضح في كونه بداية ، ثم متاهة ، ثم ضياع داخلي ، وعودة مرة أخرى للبداية ، وبعبارةٍ أخرى لكأنَّ النهاية والبداية ، واليقظة والحلم ، شيء واحدٌ عند الشاعر ، فكلها أسرار تفضي به إلى لذةٍ واحدة ، لذا وبعد رحلة المتاهة التي يعقدها الشاعر في دائرة المنام تلك ، يعود مجددا للبداية / للحلم ، حيث اشتراك البداية والنهاية في زمن لا وجودي ، يقول :
" أعودُ لحُلمي وقد خِلْتُ أنّيالصّفيُّالنّقيُّ البهيُّالعَليُّالجليُّالوليُّ وأنّيالسّلامُالغمامُذَراري الكلام
وأصحو بلا نُسُكٍ في المدارِ وأصحو بلا زُرْقَةٍ للثّوابِوأصحو ومِسبحةٌ من دموعٍتُرتِّلُ في راحَتَيَّ طويلا "
يتضح الخطاب السلوكي / الصوفي في هذا النص من خلال ألفاظه ودلالاته التي ينثرها الشاعر داخل نصه ، وما استدعاء ابن الفارض الذي يدور هذا التجلي حوله ، إلا تقنية يلجأ إليها الشحي في استكمال بنائية نصه ، فكأن ابن الفارض يمثل هنا الشاعر والمتلقي والإنسان الذي يمزق نفسه من أجل عبوديته المنشودة .

يأتي النص ممتلئا بالأسرار الداخلية التي لم يكشف عنها حضوره الشعري شأنها في ذلك شأن اللغة الصوفية التي جاءت متسترة على المكنونات الداخلية لدى المتصوف / الشاعر ، والتي عبر عنها بإتقان ، فنجد الشحي يلجأ داخليا لنفس اللغة والمفردات التي طرقها السابقون ، ليكوّن نصا متسترا على جوهره ، يتحدث بلغة أولى تثير الدهشة حينا والإعجاب حينا آخر ، فيستمد ألفاظه من القاموس المعجمي الصوفي ماداً جسر التواصل بين الزمن البعيد والزمن الحاضر ، ليستنطق المفردات مرة أخرى ، ويشكلها في قالب فني جديد ، نجد مثلا :

( وجَلوَتُهُ البِكرُ كَشْفٌ عَلِيّ ، يَزِفُّ المَقامةَ صَوبَ الوليّ / سأعثُرُ خَلْفَ العَلِيّينَ دوماً ، لكي يمنحوني قميصَ البصيرة / رَمى القلبُ يوماً على لَهَواتِ المراحلِ صَوتي ، وطهَّمَها بالتّوحُّــدِ عَـذباً / سأترُكُها أيّها العارفونْ ، تُساومُ ظِلّي ، لِيغدُو الفناءُ مَسيحاً قتيلا)

هذه الألفاظ والمفردات التي شكلت النص عملت على إثارة دلالات أخرى منفتحة على أجزاء بعيدة غيّبها الواقع الشعري المعاصر ، كما عملت على إيجاد بنية هندسية فوضوية رائعة داخل النص يتقنها الشحي في أغلب نصوصه الشعرية وتتمثل في المراوحة بين الفضاء الشعري التفعيلي ، والبناء العمودي ، ليخلق من خلاله فضاء مشتركا بين الاثنين ، ويعمل على توليد نص متحرر في عملية الكتابة :

يفِلُّ ضفائرَهُ العشقُفي شفَتَيَّ ابتهالاً صَموتامتى حَفَّنيأتاهُ النداءُ العَلِيّ:" هل انسكبتْ من جناحِ الفُيوضِ ومِشكاتِها اللحظةُ الفارقةوهل شفَّكَ الغَمْرُ حتى غَدَوتَ غريقاً يُصلي لِمنْ أغرقَههُنالكَ رُوحـكَ إشــراقةٌ وسِربٌ بنكهتهِ المـُعتَقَه "
أجزاء هذا النص الشعري جاءت ملونةً بكل إغراقات الغياب ، ارتسمت على صورة تحاول أن تتفتح على اللحظة التي يعيشها الواقع ، ولكن الواقع نفسه لم يجد في تلك اللحظة إلا خضوعا لما تريده ، ولعل الشحي قرأ كل ذلك ، وأبصر ما لم يبصره الآخرون ، فصوّر لنا الحياة / الغياب / المشهد تصويرا جلياً يعبر عن " حَلْبة رقصٍ يطوفُ بها وَلَهُ النّاسكين " أو عن لحظة ينشدها زاهدٌ وصولا لحياة خالدة !!







وَحْدَكَ لا تُسافِرُ مَرَّتَيْن

" كل ضياء العالم يمكن أن تحتويه مقلة "
- لوركـا -


" وَكَأَنَّني أَلقَيْتُ أَسْئلتي بِوادي الصَّمْتِ
إذْ آنَسْتُ بالنَّبْعِ المقدَّسِ عطرَهُ
فَتَّشْتُ عَنْ بَلَدٍ يَحِنُّ إلى الرَّحِيلِ بِلا مَطَرْ
فِإذا بِوجْهِكَ يَسْتَعِيدُ حِكايَةَ الأَسْرارِ
وَحْدَكَ لا تُسافِرُ مَرَّتَيْنْ "
.....
... مِنْ ذلكَ الغَيْمِ المُؤرَّخِ بالرَّحيلِ لقصَّةٍ أَزليّةٍ
أَجَّلْتَ كُلَّ مساحةٍ للنَّبْضِ
حينَ كتبْتَ ألواحَ الخُلُودِ
وكُنْتَ مِفْتاحاً لكُلِّ قَبيلةٍ أَلْغَتْ تَفاصِيلَ الرِّوايةِ
مِنْ حُدُودِ تَقارُبِ الأرواحِ
لا مَنْفى يُعيدُ لنا سُؤالَ الغُرْبةِ الأُولى
ولا أُفُقَ التّآويلِ الذي قَدْ أَلْبَسُوهُ عِمامَةَ الماضي
وجاءُوا يَبْدؤُونَ خِلالَهُ الأسْفارَ نَحْو مَدينَةٍ وَقْتيّةٍ
مِنْ ذلك الوَعْدِ المُهاجِرِ ،
مِنْ تَأَرْجُحِ هذهِ الكَلِماتِ
بَيْنَ الشَّيْءِ واللاشَيْءِ ،
بَيْنَ يَمامَةٍ غَنَّتْ لأَحْلامِ الرَّبيعِ حُرُوفَها ،
ويَمامةٍ نَامَتْ عَلى ضَوْءِ القَمَرْ
عَلَّقْتَ كُلَّ تَميمَةٍ لِلصُّبْحِ
كُلُّ مَسافَةٍ أَهْدَتْكَ دَرْبَ سُفُورِها
كَيْفَ ابْتَدأْتَ الصُّبْحَ ؟!
ذِي صَلَواتُ هذا العُشْبِ مَنْفاها بهذا الظِّلِّ
ذِي أَصْداءُ صَيْفيٍّ يُقامِرُ بالنِّداءِ لِرحْلَةٍ شتويَّةٍ
كَيْفَ ابْتَدأْتَ الحُبَّ ؟!
مَا مِنْ قِبْلَةٍ يرنو لها الرَّملُ الذي يَحْدُوهُ تاريخُ المُسافِرِ
كُنْتَ في أَسْمائِهِمْ ضَوْءاً
فَلا تُدْنِيكَ أَسْئِلَةُ الرُّخامِ مِنَ التَّضارِيسِ المُهَشَّمَةِ الحُرُوفْ
لا تَنْسَ أَنَّ النُّورَ آخِرُ أُغْنِياتِ البَعْثِ ،
آخِرُ أُحْجِياتِ الصَّمْتِ
كُنْ كَالرِّحْلَةِ البَدَويَّةِ الأُولى فَتَكْتبها السُّطُورْ

قُلْ لِلمراكِبِ هَلْ يموتُ حَنينُها ..
لِلزُّرْقَةِ الأُولى ،
لِفَجْرٍ أَبْعَدِ

قُلْ للمقامةِ في سَماءِ عُرُوجِها ..
إِلاكِ
يا عِطْرَ المدى لَمْ يُولَدِ

قُلْ لِلتَّوحُّدِ
هَلْ نَسِيتَ رُكُوعَنا ..
وَبَقِيتَ في إِثْمِ المتاهةِ تَرْتَدي

أَضْواءَ مَنْ مَرُّوا
وَكُنْتَ صَباحَهمْ ..
أَطْيافَ مَنْ رَسَموا انْتهاءً لِلْغَدِ

لَوْ يَنْثُرُ الماضونَ عِطْرَ رَحِيلِهمْ ..
هَلْ كُنْتَ تَأتِي في ابْتهالٍ أَوْحَدِ ؟!

أَوْ كَانتِ الكَلِماتُ تَسْكُنُ شَرْعَنا ..
من سُلَّمِ النَّاياتِ
حَتْماً نَبْتَدِي

هاكَ المسافَة ، فَاسْقِها صَلَواتِنا
عَلِّقْ أَحاديثَ النُّجُومِ ، وَضِحْكةً
كَانَتْ مَساءَاتُ الخُلُودِ تَحِنُّ لِلْمَسْرى البَعيدِ
وَضِحْكَةٍ عَرَبِيَّةِ الإتقانِ
هَلْ سَنَقُولُ إِنَّكَ مِنْ وَراءِ الغَيْمِ تَرْسُمُ حُلْمَنا الْمَنْسِيَّ ؟!
أَمْ سَنُبَعْثِرُ التَّارِيخَ فَوْقَ رَصِيفِ شَارِعِنا المُبَخَّرِ بالهُتافاتِ القَدِيمَةِ ؟!
لا سُؤالَ سَيجْمعُ الرَّحلاتِ
وَزَّعْتُ الغِيابَ لِهذِهِ الأَسْماءِ ،
وَزَّعْتُ الْخَرائِطَ كُلَّها ،
تَارِيخَ أَسْئِلَةٍ مُعَلَّقَةٍ عَلى جُدْرانِ هَذا الصَّمْتِ ،
أَوْراقِيْ ، دَفاتِرَ رِحْلَةٍ .
" وَرِسَالَةُ الغُفْرانِ " ، لِلأَيَّامِ
لِلذَّنْبِ المُوَزَّعِ دَاخِلِيْ ،
لِلْحُبِّ ،
لِلْمَنْفى ،
لَهُمْ ، عَلَّقْتُها
وَكَأَنَّني أَيْقَظْتُ كُلَّ قَطِيعَةٍ جَاءَتْ بِها الرُّكْبانُ
لا تَدَعِ النَّدَى يَمْضِيْ وَحِيداً في اسْتِفاقَةِ صُبْحِنا
كَالرُّوحِ كُنْ في حَضْرَةِ المَوَّالِ
أَنْتَ لِهذِهِ الصَّلَواتِ مِحْرابٌ تَقَدَّسَ سِرُّهُ
فِإِلى أَعَالي النَّبْضِ ، عُدْ
وَعَلى سَلالِمِهِ الأَخيرَةِ
مِنْ أَغَاني اللذَّةِ المَفْقُودَةِ امْنَحْ كُلَّ قَافِيَةٍ تَفاصِيلَ الرُّجُوعِ
هُناكَ كُنْ ..
" لِمَعَرَّةِ النُّعْمانِ " أَلْفُ تَساؤُلٍ
جِلْبابُها الغَجَرِيُّ يَدْفنُ مَا تَبَّقَّى مِنْ حِكاياتِ العُصُورْ
نَادَتْكَ سُنْبُلَةٌ ، فَعَرِّجْ لابْتِهالِ عُرُوجِها
لا حُلْمَ نَمْلِكُهُ .. وَأَنْتَ تَعُودُ في صَمْتِ المَساءِ تِلاوَةً
كُرْسِيُّ عُزْلَتِكَ احْتَوى كُلَّ الطُّقُوسِ الخَالِدَةْ
سجَّادَةُ الأَسْرارِ خَطَّتْ ذِكْرَها في جَبْهَةِ الدَّمْعِ الشَّفِيفْ
مِحْرابُكَ اللَيْلِيُّ عَتَّقَ كُلَّ زَاوِيَةٍ
إِذاً
كُنْتَ انْتِصاراً للحَقِيقَةِ في تَفاسِيرِ البِدايَةِ
كُلَّما هَتَفُوا إِلى الظِّلِّ المُبَعْثَرِ فِيهِمُ
أَوْ كانَتِ الأَسماءُ شَاهِدَةً على سِفْرِ الوُجُودْ
أَشْعَلْتَ نُورَكَ قَاطِفاً وَرْدَ الحِكَايَةِ :

" مِنْ هُنا كانَ انْبِعاثُ الضَّوْءِ تَارِيخاً ،
يُلَوِّنُ قِصَّةَ المَنْفى ،
فَكانَ به الْخُلُودْ ..






السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ..





وحدي أصافح الغيم
ملتقى ضيق ، وجسر أخضر ، ومظلة تجمعنا تحت المطر ..
نطوف بين الكلمات سراً وجهراً ، لا أدري هل الكلمات أشعلت داخلنا حب التطلع أم الدوائر المجهولة هي التي غنت لنا صباحا ؟
هنا ، سأرى طوافكم .. غناءكم .. بكاءكم
حكايا النجوم الجميلة في ليلة مضيئة .
هنا
حتما
سأرى آثار أقدامكم ...
خالد