الجمعة، 23 أكتوبر، 2015

ذئـــب




*
كلما مرَّ ذئبٌ على المرعى.. بكى
تذكّرَ جدَّه الأكبرَ
يوم وارى سوءةَ الإنسان بقميص الشكِّ.
 

 *
كلما نام قرب الشاةِ أدركَ جهلَ الحضارةِ.


 *
أيها الذئبُ:
التفتْ إلى جرحنا العربي
قميصُكَ عارٍ من حقيقته يوم قذفتَه للبئر.


 *
نظر الذئبُ يوماً إلى البئر، رأى صورةَ بشريٍ تقاسمه صفحة الماءِ. وجدَ الحطيئةَ يمدحُ الخليفةَ ويتغزلُ بجارية سيده. وجد الماء قد تجمّدَ.


 *
تركَ الذئبُ قصيدته الخالدةَ.. ومضى.

*
على صفحته الشخصية بالفيسبوك وضع شيخ قبيلة الذئاب صورة تجمعُهُ بشيخ قبيلة الأرانب في الكوستا.. بعد شهرٍ تمت الإطاحة بشيخ الذئاب وتعيين ذئبٍ آخر، وبعد شهر آخر وُجدَ شيخُ قبيلة الأرانب مقتولا في الكوستا.

*
لا أذكر أن الذئبَ انتخب أحداً من أصدقائه الذئاب لمجلس الغابة، بل ظل وفياً للأسد طيلة حياته.

*
أخذ الذئبُ قرصين من الحبوب كما نصح بهما الثعلب، ثم اندس في فراش زوجته وأيقظها ليخبرها عن القصف الجوي الروسي على سوريا!!

*
وجّه الذئبُ رسالةَ شكرٍ للثعلب متبوعةً بكتاب الحيوان للجاحظ على نصيحته ليلة البارحة.

*
الشجار العنيف في وادي الذئاب سببه فيلم هندي!! هل كارينا كابور أخت شاهيد كابور؟؟

*
للذي لا يحبُّ الذئبَ.. الذئبُ قد مرَّ من هنا.

*
آخر قصيدة ألقاها الذئب في حضرة الأسد حول السمع والطاعة للأسد، وأن كل معارض له داعشي يجب قتله ثم صلبه في مدخل الغابة.

*
الذئب: الرواية التي لم تصدر بعد...

الثلاثاء، 22 سبتمبر، 2015

الصراع بين نفيسة والمرأة التي في بيتها





يُعَرَّفُ الصراع بأنه الحركة داخل النص التي تدفع الشخصيات الدرامية إلى الفعل، وتنشأ منها العقدة. وهو المكون في أي شكل من أشكاله للعمل الدرامي. ويأتي تعريف الصراع بالحركة لأنه حركة فعلية داخل النص من عاطفة لأخرى ومن شعور لآخر، ومن فكرة لأخرى. ويشكّل الصراع مع الإنسان وتناقضات الحياة العناصر الأساسية التي لا تتحقق الدراما إلا بها.(1)

 

وتبرزُ صورةُ الصراع جليةً في قصة (امرأة في بيت نفيسة) للقاصة هدى حمد، ويمكن أن نلمح ذلك من خلال العنوان نفسه، فكلمة امرأة وهي نكرة تتصادم مع نفيسة صاحبة البيت، إذ تحيلنا الشخصيتان إلى تكوّن فعلٍ خفيٍ بين الطرفين، تتضح أجزاؤه داخل أجزاء النص.

 

يأخذ الصراع شكلاً نفسياً منقطعاً من أحد اتجاهيهِ، فالأثر النفسي الذي يظهر في النص من جانب نفيسة فقط، التي تتخيّلُ صراعاً بينها وبين الخادمة في المنزل. فالخادمة في نظرها تعرف كل شيء عنها، أوقات الفرح والحزن، تفاصيل الحياة، والأسرار الخاصة، بل وتجزم أنها تراقبها وتحاول الاستماع لما يدور بينها وبين زوجها. وفي أكثر من موضع ترتفع وتيرة هذا الصراع مع أدق تفاصيل لحياة نفيسة، والذي يستلزم  إثارتها ورفع وتيرة الغضب والنفور من شخصية هذه المرأة. ولكنَّ السارد يحاول إقناعنا أن الصراع هنا ما هو إلا "عقدة أو مرض نفسي" لازم الشخصية الرئيسة منذ صغرها، منذ أن كانت في الصف الرابع الابتدائي عندما كانت تستحم في حوض مزرعة عمها وقد نظر إليها ناصر ابن عمها نظرة مريبة..."[3] ويبررها أيضا عندما يوضح أن نفيسة لا يمكنها الجلوس مع صديقة لها لأكثر من ساعة أو ساعتين ولا ترد على الاتصالات الكثيرة وتغلق ستائرها جيدا خوفا من تلصص الجيران. هذه المحاولة من السارد لتقديم المبررات لشخصية نفيسة وحالتها النفسية الداخلية كانت قد تولّدت لدى الزوج حيث بدأ بملاحظة مثل هذه التغيرات العجيبة: "كم من المرات انسحبت بعيداً عن زوجها في لحظاتهما الحميمية، وهي تهمس في أذنه: إنها بالقرب من الباب. تعدل من هيئتها، تستر قميص نومها الشفاف بثوب آخر من الحرير وتفتح الباب بقوة كمن سيتفاجأ بوحش يربض في الجهة الأخرى، لكنها لا تجد أحداً ثم تصرخ: لقد هربت.. هربت.. هل رأيت ذلك. يغطي الزوج وجهه بالشرشف ويمنحها ظهره، وهو يزفر في ضيق من تصرفاتها الغريبة".[4] لقد انعكس هذا الصراع على شخصية الزوج وأثّر فعلياً على حياتهما الزوجية، كما كشف الكثير من أسرار الزوجة والتي لا يعرفها الزوج إطلاقاً.

ينتهي هذا الصراع "المبتور" بتفوق نفيسة وبدون أي ملامحٍ يُكسب الشخصية الرئيسة نشوة الانتصار، إذ لا تزال نفيسة تعاني من العبء الثقيل الذي سببته هذه الإزاحة المنزلية، ومع كل الآلام والمشاغل إلا أن أكبر انتصار لها هي عدم وجود عينٍ تلاحقها أينما اتجهت، تلك العين التي ظلّت ترافقها طيلة ذاكرتها الطفولية.

 

[1] انظر عزالدين إسماعيل، الشعر العربي المعاصر "قضاياه وظواهره الفنية والمعنوية"، ص279-284

[2] انظر الإشارة برتقالية الآن، ص19

[3] المرجع نفسه، ص22

[4] المرجع نفسه، ص21

الاثنين، 17 أغسطس، 2015

حوار مع جبل التوباد






كثيرةٌ هي الأماكن التي وردتْ في أدبنا العربي؛ وكلُّ موضعٍ له قصةٌ تُروى، ولقد وثَّق الشعرُ العربي في مراحله المختلفة علاقتَه بهذه الأمكنة وحفظ الحكايات المرتبطة به؛ فعندما يحدثنا الأصفهاني في كتابه الأغاني عن قصة مجنون بني عامر مع جبل التوباد فإنه يعرض جانباً من قصة العشق الخالدة لمجنون ليلى.

 

في أبيات قصيرة لقيس بن الملوح نجد استعراضا للمكان الذي جمع بين قيس وليلى ولكنَ المجنون هنا عمل على استنطاق المكان وجعله شخصية في نصه الشعري، شخصية يحاورها ويستمع إليها ويبثُّ الشكوى إليه، فلم يكن المكان هنا مجرد مكان، بل هو حبيب يذكره بالحبيب، نقف مع الأبيات التي قالها المجنون بعد لقائه بجبل التوباد الذي فارقه في لحظات جنونه:

 

وأجْهَشْتُ لِلتَّوْبَادِ حِينَ رَأيْتُهُ 

وكبَّرَ للرحمن حين رآني

 

وأذْرَيْتُ دَمْعَ الْعَيْنِ لَمَّا عرفتُهُ

ونادَى بأعْلَى صَوْتِهِ فدَعَانِي

 

فَقُلْتُ له قد كانَ حولكَ جيرةٌ

وعهدي بذاك الصرمِ منذ زمانِ

 

فقال مضوا واستودعوني بلادهم 

ومن ذا الذي يبقى على الحدثان
 

وأني لأبكي اليوم من حذري غداً 

فراقك والحيان مجتمعانِ

 

سِجَالاً وَتَهْتاناً ووَبْلاً ودِيمَة

 وسَحّاً وتسْجَاماً إلى هَمَلاَنِ

 الأغاني (2/35)
 

أرأيتُم كيف كان التوباد حبيباً إلى الشاعر!!

وكان كلما غاب عن بلده استرشد به، فهو القبلة الأولى في دائرة الحنين إلى الوطن، كذلك ليلى القبلة الأولى في دائرة الحب الخالد، وهي التي يسترجع ذهنه كلما ذكر اسمها.. المكان هنا خرج من دائرة الحدود والجهات إلى منبع الكمال والمشاعر فلم يجد الشاعر إلا محاورا لأنه لا يزال يحتضن اللحظة البكر في ذاكرة الحب...

 

 

السبت، 15 أغسطس، 2015

أنا ومجلس الشورى



أنا.. ومجلسُ الشورى

 

رأيتُ في المنامِ أني دخلتُ انتخابات مجلس الشورى القادمة!!

ورغم أني لم أُعَلق صوري في أرجاء الولايةِ، ولم أنشر سيرتي في الفيسبوك والتويتر، ولم أعرض دوراتي وشهاداتي الوهمية وغير الوهمية أمام الملأ، ولم أضع حسابات التواصل الخاصة بي في كل مكان، ورغم أني لم أُخبرْ أحداً أنني سأترشحُ لعضوية المجلس، رغم كلِّ ذلكَ كانتِ الأصواتُ تنهالُ عليَّ ذلك اليوم، ووجدتُ نفسي في موقف عصيب، إذْ على ما يبدو أنني سأفوز وبأغلبية ساحقة، وسأمثِّلُ الولايةَ في القريب العاجل..

تلكَ هي صورةُ المنام التي مرَّت عليَّ ذات ليلةٍ، وبعدها قمتُ متسائلاً: يا ترى كيف يقضي المترشحون لعضوية المجلس أيامهم ولياليهم؟ في ماذا يفكرون وهم يخلدون للنوم كلَّ ليلةٍ ناهيكَ عن تلك الليالي القريبة من يوم الترشيح؟

أقول ذلك وأنا أرى نشاطاً عجيباً هذه الأيام من الإخوة المترشحين لهذا المنصب؟ وجهداً كبيراً، والتزاماً أكبر بحضور فعاليات المجتمع، ودعوات المؤسسات، ورعاية الفعاليات، بل وظهور تصريحاتٍ لبعضهم ووقوف البعض مع قضايا أبناء الولاية، وزيارات معلنة وخفية لشيوخ بعض القرى. إنه جهد عظيم يقومون به، ولكن يحقُّ لي أن أتساءَل أين هم قبل الترشح لعضوية المجلس؟ أتحتاج مشاركة أبناء الولاية في فعالياتهم لمنصبٍ يحفز على الحضور والمشاركة، أتحتاج الزيارات واللقاءات لذلك، ولا أحتاج أن أستشهد بفلانٍ الذي لم نكن نسمع له همساً قام بكل شيء للفوز في انتخابات الدورة السابقة، وسخّر فرقة إعلامية لتصويره أينما حل أو ارتحل وعندما لم يفز عاد إلى مغارته وعزلته، وكذلك فلان الذي كنا نحسبه (ميتا) في المجتمع حتى بتنا نقرأ سيرته التي كتبها في صفحات...

المجتمع يحتاج فرداً فاعلاً، سواء فاز في الانتخابات أم لم يفز، لأنه يعمل لبناء ولايته والنهوض بها، ولا يعمل فترة محدودة لأجل كرسيٍ يجلب له الشهرة والجاه وأشياء أخرى...

 

أرجو التوفيق لجميع المترشحين الفترة القادمة، ولكنني لن أقرأ عن أخبارهم قبل النوم شيئاً حتى لا أطيل رقدتي فأجد نفسي ممثلاً لولاية تستحق الأفضل...

الاثنين، 27 أبريل، 2015

لمحات في ذاكرة ابن حزم في طوق الحمامة




يُعدُّ كتاب (طوق الحمامةِ في الأُلفةِ والأُلاف)[1] لابن حزم من أجملِ ما كُتِبَ في الحُبِّ، فهو رسالةٌ جمعت الأدبَ بالثقافةِ والدين، وتناولتْ الحب ومعانيه وأسبابه وأعراضه وحالاته تمثّلَ فيه مؤلفه بكثير من أشعاره دون أشعار غيره.

وبالوقوف إلى هذا السِّفرِ الجميل لفتَ نظري مقاطع من سيرة العالم الجليل ابن حزم في هذا الكتاب؛ وإنها لجرأة كبيرة أن يذكرَ كاتبٌ شيئا من حياته الأولى –لا سيما ما يتعلق بالحب منها- في كتاب سيقف عليه كثير من الناس، فكيف إذا كان هذا الكاتب عالم كبير من علماء الإسلام!!

لقد جمعتُ من قراءتي للكتاب بعضا من سيرة ابن حزم وربما يكون بعضها قد ذُكِرَ في كتب التراجم، ولكنَّ بعضها ربما لم يذكر.

وبالحديث عن سيرته فما يُعرَفُ عنه أنه من مواليد قرطبة، لكنه يذكر تحديداً سكناه في الجانب الشرقي بقرطبة وكانت داره ملاصقةً لدار أبي عامر محمد بن عامر في الدرب المتصل بقصر الزاهرة.[2] (ص100)، وعلى  ما يبدو أن والده قبل سكنى هذا المكان كان يسكن بالجانب الغربي من قرطبة إذ يقول: " ثم انتقل أبي رحمه الله من دورنا المحدثة بالجانب الشرقي من قرطبة في ربض الزاهرة إلى دورنا القديمة في الجانب الغربي من قرطبة ببلاط مغيث في اليوم الثالث من قيام أمير المؤمنين محمد المهدي بالخلافة... وذلك في جمادى الآخرة سنة 399". (ص 141)

وفي أول المحرم سنة 404 أجلي أهله عن منازلهم بعد تغلب جند البربر عليهم فخرجوا عن قرطبة (ص142) فخرج من قرطبة وسكن مدينة المريّة... ثم نكبه خيران صاحبُ المريّة بوشاية نقلها إليه بعض الوشاة عنه أنه يسعى للقيام بدعوة الدولة الأموية، فاعتقله عنده أشهراً ثم أخرجه على جهة التغريب، فصار إلى حصن القصر... فأقام عند صاحب القصر أبو القاسم عبدالله بن هذيل التجيبي المعروف بابن المقفل فأقام عنده شهورا في خير دار إقامة(ص 149) ثم ركب البحر قاصداً بلنسية عند ظهور المرتضى عبدالرحمن بن محمد(ص150) ثم يذكر أنه عاد ودخل قرطبة في خلافة القاسم بن حمّود المأمون.(ص152) [3]

ويحدثُ عن نشأته أنه نشأ وتربى بين النساء في صغره فأشرفنَ على تربيته وتعليمه، وفي ذلك يقول: "ولقد شاهدتُ النساء وعلمتُ من أسرارهن ما لا يكاد يعلمه غيري، لأني ربيت في حجورهن، ونشأتُ بين أيديهن، ولم أعرف غيرهن. ولا جالستُ الرجال إلا وأنا في حدّ الشباب وحين تفيّل وجهي. وهن علمنني القرآن وروينني كثيرا من الأشعار ودربنني في الخط...". (ص73) ويبدو أن والده كان يريد أن ينشأه نشأة حازمة صارمة فجعل عليه الرقباء والرقيبات، جاء في معرض حديثه أنه كان "وقت تأجج نار الصبا وشرّة الحداثة وتمكن غزارة الفتوة مقصوراً محظراً عليه بين رقباء ورقائب، فلما ملك نفسه وعقل صحب أبا علي الحسين بن علي الفاسي في مجلس أبي القاسم عبدالرحمن بن أبي يزيد الأزدي شيخه وأستاذه فنفعه الله كثيرا بأبي علي الذي علم منه موقع الإساءة وقبح المعاصي كما يقول عنه. (ص158) ولذلك وفي معرض حديثه عن المعاصي والتي قد يتوهم القارئ من خلال حديث ابن حزم عن الحب والقصص التي ذكرها أنه قد فعل شيئا منها، فيقسم بالله قائلا: (وإني أقسمُ بالله أجل الأقسام أني ما حللتُ مئزري على فرج حرامٍ قط، ولا يحاسبني ربي بكبيرة الزنا مذ عقلتُ إلى يومي هذا). (ص157)

وتتفتح ذاكرة ابن حزم عندما يذكر الحب، فيسرد شيئا من الماضي الذي كان عليه، وعشقه الأول، فيذكر في أكثر من موضع أنه أحبَّ في شبابه، فعند حديثه عن تفضيل الشقراوات على سوداوات الشعر على سبيل المثال نجده يذكر: "أني أحببتُ في صباي جارية لي شقراء الشعر فما استحسنتُ من ذلك الوقت سوداء الشعر، ولو أنه على الشمس أو على صورة الحسن نفسه". (ص48)

ويذكر أنه أحب جارية كانت في منزلهم: "وإني لأخبر عني أني ألفتُ في أيام صباي ألفة المحبة جارية نشأت في دارنا وكانت في ذلك الوقت بنت ستة عشر عاما...فجنحتُ إليها وأحببتُها حباً مفرطاً شديداً، فسعيتُ عامين أو نحوهما أن تجيبني بكلمة وأسمع من فيها لفظة، غير ما يقع في الحديث الظاهر إلى كل سامع، بأبلغ السعي فما وصلت من ذلك إلى شيء البتة..." (ص139-140) ثم يستطرد في سرد حكايتها يوم اجتماعها في منزلهم مع غيرها من الجواري وكنَّ ينظرن من قصة في الدار إلى نواحي قرطبة وكيف كان ينظر إليها من الباب الذي تقف خلفه، فانتبهت وصارت تنتقل من مكان إلى آخر وهو يسعى خلفها من باب لآخر. (ص140)

أما حبه الكبير فكان يُحب جاريةً اسمها (نُعْم)، فلم يمنعه الحب والعشق بها أن يذكر أوصافها ويتأوه لرحيلها. فيصفها بقوله: "كانت أمنية المتمني وغاية الحُسْنِ خَلْقاً وخُلُقاً وموافقة لي، وكنتُ أبا عذرها، وكنا قد تكافأنا المودة، ففجعتني بها الأقدار واخترمتها الليالي ومرُّ النهار، وصارت ثالثة التراب والأحجار. وسني حين وفاتها دون العشرين سنة، وكانت هي دوني في السن، فلقد أقمتُ بعدها سبعة أشهر لا أتجرد عن ثيابي ولا تفتر لي دمعة على جمود عيني وقلة إسعادها. وعلى ذلك فوالله ما سلوت حتى الآن. ولو قُبِلَ فداء لفديتها بكل ما أملك من تالد وطارف وببعض أعضاء جسمي العزيزة علي مسارعا طائعا وما طاب لي عيش بعدها، ولا نسيت ذكرها ولا أنستُ بسواها. ولقد عفّى حبي لها على كل ما قبله، وحرم ما كان بعده.(ص119)

إنه الحبُّ الذي جعل فقيها وعالماً كابن حزم أن يبوح بأسراره، ويكتب الأشعار فيه عامةً وفي (نُعْمَ) خاصة، إنها عاطفة متدفقة مليئة بالحزن والفراق.. هل يستطيع أحدٌ الآن أن يبوح بسرٍ واحدٍ في منظومة الحب؟!

 

إشارات:

[1] ابن حزم الأندلسي، طوق الحمامة في الألفة والألاف، تقديم: د. صلاح الدين الهواري، بيروت: دار ومكتبة الهلال، الطبعة الأولى، 2000م.

[2] القصر الذي أمر ببنائه المنصور بن أبي عامر.

[3] توفي ابن حزم كما يُذكرُ في بادية لبلة وهي إلى الغرب من إشبيلية عام 456هـ

الخميس، 2 أبريل، 2015

مواكب العشاق [2]



نصّانِ في العشقِ من كتاب (زبدة الفتوحات المكية) لمحيي الدين بن عربي. ما أجمل اللغة التي يكتبُ بها المتصوّفة، إنها لغة طافحة بالدلالات التي تفيض من كأسٍ مترعٍ بالجمال. نصانِ لا يمكن قراءتهما إلا باستحضار البُعْدِ الجمالي للغة كهذهِ.

(1)

قُلْ لمَنْ طافَ بكاساتِ الهوى

                      وسقى العُشّاقَ مما قد نَهَلْ

ما مقامات المحبينَ سوى

                      لا، ولا العلمُ عندي كالعمَلْ

ليس مَنْ مُوِّهَ بالوصلِ له

                      مثل مَنْ سيَّروه حتى وصَلْ

لا، ولا الواصلُ عندي كالذي

                      طَرَقَ البابَ وللدارِ دَخَلْ

لا، ولا الدَّاخلُ عندي كالذي

                      أجلسوهُ عندهم في المستهَلْ

لا، ولا من أجلسوه عندي كالذي

                      سارروه فهو للسرِّ مَحَلْ

لا، ولا مَنْ سارروه عندي كالذي

                      صار إياهُم، فدع عنكَ الجَدلْ

ذاكَ شيءٌ عَلِقَ الفؤاد به

                      ما تَبَدَّى بعضه إلا قَتَلْ.

 

(2)

عَلِقتُ بمَنْ أهواهُ من حيث لا أدري

                               ولا أدري من هذا الذي قال لاأدري

فقد حرتُ في حالي وحارت خواطري

                              وقد حارت الحيراتُ فيَّ وفي أمري

فبينا أنا من بعد عشرين حجة

                             أترجمُ عن حبٍ يعانقهُ سرّي

ولم أدر من أهوى ولا أعرف اسمه

                            ولا أدري من هذا الذي ضمه صدري

إلى أن بدا وجهُها من نقابها

                            كمثل سحاب الليل أسفرَ عن بدرِ.

الأحد، 22 مارس، 2015

عالم الأحذية



 

عندما أهداني الصديقُ ماهرُ الزدجالي مجموعتَهُ القصصية (وأخيرا نطق الحذاء) كتب لي إهداءً بسيطاً في بداية الكتاب: "لا تمشِ في الحياةِ بدون حذاء، وإذا قررتَ أن تشتري حذاء غاليا فاذهب وقت التنزيلات". هذه المقدمة دفعتني أن أبحثَ عن قصة الحذاء في المجموعة؛ لظني أنَّ ماهراً سَيُبَلورُ كعادته موضوعَ الحذاءِ بأسلوبٍ ساخرٍ لإيصالِ فكرتِهِ للقارئ. نعم كانت السخريةُ حاضرةً في قصةِ "فردتا حذاء" ولكن هذه السخرية مغلفةٌ بالهم الإنساني، بالبؤس، بالشقاء.

 

يستنطق ماهرُ الحذاءَ في لغة ساخرةٍ، تحمل بُعْداً إنسانياً؛ شخصيةُ حذاءِ المتسولِ رسمت صورةً للطبقيةِ التي تعيشُها المجتمعاتُ، وأنَّ الأحذيةَ كالأبناءِ تماماً، فمنهم من يتمرّغُ في وحلِ الأزقّةِ ويتسكعُ في الشوارعِ بحثاً عن لقمة العيش التي فقد معها ملامحَ طفولتِهِ مبكرا، ومنهم من يتمرَّغُ في النعيم، في مكانٍ فارهٍ يخدمه العديد من الخدم، ومنهم المدلل المنعم كـ"نؤومِ الضحى" في قصيدة امرئ القيس. كل تلك صورٌ رسمها المشهدُ في قصة بسيطة، أبطالها خارج النطاق المعقول لهذه الحياة.

إنه الواقع الذي لم نكتشف عيوبَهُ برؤيتنا القاصرة، بل واقعٌ فضحته اللغة/ الصورة/ الأدب، هكذا نطق الحذاء عندما صمتَ البشرُ، وهكذا تنكسرُ الإنسانية عندما تموتُ الضمائرُ، وبين البؤسِ والنعيمِ شعرةٌ إذا انقطعت اختلّت موازين الأفكار والميول. إنه الواقع الذي أوجد هذه الأحذية بمختلف ميولها وانتماءاتها، الواقع من أوجد حذاءَ "منتظر الزيدي" في وجه رئيس الدولة الأولى في العالم حاليا، واقعٌ مليءٌ بالانكسارِ، يبحث عن الخروج من وطأة التبعية إلى الحرية والعدل، الواقع من أوجد الحذاء الفضي لكريستيانو رونالدو الذي سيخوض به مباراة الكلاسيكو هذا الأسبوع كما تناقلته وسائل الإعلام العالمية والذي صُنِعَ خاصة لهذه الموقعة، واقعٌ مليءٌ بالرفاهية المثخنة بحب الظهور والشهرة، الواقع من دفع كاتباً كماهر الزدجالي أن ينظر للإنسانية/ الطبقية بعينِ المكتشف فأوجد نصاً قصيرا كقصر حياة ذلك البائس المتسول صاحب الحذاء الذي رحل في صمت..

 

همسة:

المعتمد بن عباد في سجنه بأغمات، ينظر لأقدام بناته ليصف المشهد المرير... تأملوه:

يطأنَ في الطينِ، (والأقدامُ حافيةٌ)

                                      كأنها لم تطأ مسكاً وكافورا

 

الثلاثاء، 17 مارس، 2015

أدونيس والمنفى...



لو طُلِبَ من أدونيس أن يكتبَ شهادةً أخرى عن المنفى على غرار شهادته التي كتبها لندوة (الأدب والمنفى) التي دعا إليها المجلس الوطني للثقافة والفنون والتراث في الدوحة 2007م، لو طُلِبَ منه ذلك، ماذا عساهُ أن يكتبَ هذه المرة؟!

هل سيكتبُ عن المنفى الذي عاشه والذي يرى من خلاله منفى لا تحدُّه الحدودُ الجغرافية؟ ولا تؤثر فيه تغيّر الأمكنة؟ هل سيروي لنا صُوَراً من منفاهُ الأول؟ أم سيكتب لنا قصيدةً عن المنفى بوصفه منفى داخلياً، يحيلُ إلى تقاطعاتٍ ذاتيةٍ عملتْ على تشكيلِ فكرٍ مغايرٍ لما كانت عليه الفكرةُ الأولى؟

تساؤلات تتداخلُ لديَّ وأنا أقرأ موضوع أدونيس "مكانٌ آخرُ في ما وراء الوطن والمنفى" من كتابه (رأس اللغة جسد الصحراء) تناول فيه الحديث عن المنفى، فأكّد خلاله في أكثر من موضع أنَّ منفى أدونيس هو المنفى الداخلي المتمثل في منفاه الأول الوطن الذي وُلِدَ فيه، والثقافة التي رُبّيَ عليها. (ص21) هذا المنفى ظل حاضراً معه، يُلازمه، فكان لا بد من تخطّي هذه الحال، والبحث عن تجربة تسمح بالعبور إلى خارج هذا النفي الذي يعيشه، إلا أنَّ نفيه الداخلي ظل مسيطراً لم يخدش جِدارَهُ تغييرُ الأمكنة ولا غيرها.

يتناول أدونيس في موضوعه صُوَرَاً من نفيه الداخلي والتي منها: منفاه الأصلي في الطائفة، الذي دفع به حد التساؤل عن انتمائه الطائفي والتخلص من هذا الانتماء. إلا أنه وبقراءة المشهد في سنواته الأخيرة يظهر أن تساؤلات أدونيس لم تكن تتحرك في دوائر النفي والتحرر منها بقدر ما هي أسئلة كونية يتطلبها رصيد الفكر العربي؛ فقد ظلَّ منفى أدونيس داخل الوطن/ الطائفة يحاصر قلم كتابتهِ، ويعيد عليه ابتناء أولوياتٍ داخلية تجاه هذا المنفى. فعند قراءة الخطاب الثقافي لدى أدونيس وبالتحديد عن منفاه الوطن نجد مدى تأثير الوطن/ الطائفة/المنفى لديه، فنتذكرُ حين اندلعت الثورة السورية صرَّحَ قائلا: "لن أشارك في ثورةٍ تخرج من المساجد". وبعدها بفترة بعث برسالته إلى الرئيس بشار الأسد طالباً منه تطبيق الديمقراطية والابتعاد عن الحزبية والطائفية.

هذا الخطاب يحمل داخله لغةً دقيقةً لطول المسافة التي كانت بين أدونيس الكاتب، والوطن المنفى، والطائفة كثقافةٍ، لغةً استثمرها طوال سنواتٍ يعيد خلالها تأطير مشروعه الفكري والثقافي والشعري. لغةً استمدَّتْ رؤيتها من مشروعه التحديثي إضافة إلى التراث كمقومٍ راسخ في الثقافة العربية.

أليس المنفى بعد ذلك، رؤية ومشروعاً اتّكأ عليه أدونيس في بناء خطابه الثقافي، ولكَ أن تقرأ ما كتبه شعراً ونثراً، لتجد ملامحَ المنفى بارزةً وبصورة تدعو للتأمل، لمَ لا وهو الذي يكتب عن منفاه منذ كانت طفولته في قريته، وكأنَّ المنفى الرفيق الأزلي طيلة السنوات الطويلة..

إذا كانَ أدونيس في شهادة الأدب والمنفى عرضَ صورةً لمنفاه "الفردي"، بذكره للمنفى داخل الوطن/ داخل الطائفة/ وداخل الاسم كذلك، فإنَّ هناك صورة أخرى خلاف "المنفى الفردي" وهي صورة المنفى "الجمعي" داخل الوطن، والثقافة، والمكان، والطائفة، والحرية، صورة النفي داخل/ خارج الحدود لأبناء وطنه، والذين هُجِّروا بعيداً عن نطاق الديمقراطية المزعومة. فهل سنقرأ شهادةً أخرى لأدونيس مليئةً بالمنافي داخل وطنه، تضجُّ بلغاتِ الكونِ المثخنة غربةً وانصهاراً مع العالم؟!

 

همسة:

أكادُ أجزمُ أن كلَّ مبدعٍ يعيش منفى يختصُّ به، يمثِّلُهُ، يكتُبُه، يسكُنُهُ وإن أقام بيننا طويلاً، يقول درويش:

أيُّ منفى تريدين؟

هل تذهبينَ معي؟ أم تسيرينَ وحدَكِ

في اسمكِ منفىً يكلِّلُ منفىً

بلألائه؟

 

 

الثلاثاء، 10 مارس، 2015

السكين


عندما انتهت شهرزاد من سرد حكايتها، فتش شهريار عن خنجره المسموم، الذي اعتاد به قتل جواريه.. فتش في كل مكان عنه، في الدولاب، وتحت السرير، وفي الشرفة، وفي دورة المياه، لكنه لم يفتش في ظهره النازف دما..

الجمعة، 13 فبراير، 2015

ظفار في 600 هـ



ورد ذكر ظفار في كتاب البداية والنهاية لابن كثير وذلك ضمن حوادث 600 للهجرة حين يقول عن تلك الحوادث: (وفيها تغلّبَ رجلٌ من التجار يقال له: محمود بن محمد الحميري على بعض بلاد حضرموت، ظفار وغيرها، واستمرت أيامه إلى سنة تسع عشرة وستمائة وما بعدها).

البداية والنهاية (16/730)

الاثنين، 9 فبراير، 2015

عن القراءة من رواية: الغابة النروجية





... كان قارئا أكثر نهماً مني بكثير، لكنه اتخذ له قاعدة في أن لا يمسَ كتاباً لأي مؤلف لم يمت قبل ثلاثين سنة. قال: "ذلك هو النوع الوحيد من الكتب الذي أستطيع أن أثق به".

وأضاف: "هذا لا يعني أنني لا أؤمن بالأدب الحديث، لكني لا أريد تضييع الوقت الثمين بقراءة كتاب لم يعمّده الزمن. الحياة قصيرة جداً".

سألته وأنا أتكلم بنبرات محترمة جداً مع هذا الرجل الذي يتقدمني بسنتين:

"أي نوع من المؤلفين تحب أن تقرأ؟"

أجاب بدون تردد: "بلزاك، دانتي، جوزيف كونراد، ديكنز".

"ليسوا وفق الموضة تماما".

"لهذا السبب أقرأهم. إذا كنت تقرأ الكتب التي يقرأها كل شخص سواك فقط، فلن تستطيع التفكير إلا بالطريقة التي يفكر بها كل شخص سواك. وهذا يعني عالم الريفيين والسذج. الناس الحقيقيون يشعرون بالعار لأنهم يفعلون ذلك..."

الاثنين، 19 يناير، 2015

مواكب العشق [1]



 

أُتيَ خالدٌ بن عبدالله القسريّ بشابٍ قد وُجِدَ في دار قومٍ، وادُّعِيَ عليه السرقُ، فسأله فاعترف، فأمر بقطع يده، فتقدَّمتْ فتاةٌ حسناء، فقالت:

أخالدُ قد أوطأتَ واللهِ عُشوةً *** وما العاشقُ المسكينُ فينا بسارقِ

أقرَّ بما لم يجنهِ غير أنه *** رأى القطع أولى من فضيحةِ عاشقِ

 

فأمر خالدٌ بإحضار أبيها، وزوّجها من ذلك الفتى، وأمهرها عنه عشرة آلاف درهم .

 

البداية والنهاية لابن كثير [13/200]

 

 

 

الخميس، 8 يناير، 2015

بياض قافية







بياضُ قافيةٍ


بياضَ الثّلجِ مَنْ أغراكَ حتّى..

تمر معاتباً فينا وتمضي


وتتركَ ذي النوافذَ ساهراتٍ

وأضواء الطريقِ بجفنِ غَمْضِ


لمَنْ تُلْقيْ بياضَكَ؟! فالزوايا

تضمُّ رحيلَ أقمارٍ لبعضِ


وعند نهايةِ الكلماتِ صبحٌ

كساهُ الليلُ من جلبابِ بُغْضِ


عرفْتُ بياضَكَ المزهوَّ فينا

ولم أعرفْ لـ"عِرْسالٍ" بأرضِ


نفيتَ طفولةَ الذكرى بعيداً

فهل مرَّ الشتاءُ بغيرِ نبضِ؟!