السبت، 11 فبراير، 2012

خالتي صفية والدير




"واحةُ الغروبِ" كانَت أول روايةٍ أقرأُ سطورَها للروائي المصريّ "بهاء طاهر"، أذكرُ أنني شرعْتُ في قراءتِها في القطارِ من الإسكندرية إلى القاهرة، قرأتُ بدايتها حتى غلبني النوم. كانت تلك الرواية حائزة على جائزة البوكر العربية للرواية لعام 2008، كما كانت الدافع للبحث عن أعمال بهاء طاهر؛ فقد قمتُ في معرض الشارقة للكتاب 2008م باقتناء روايات الكاتب والتي من بينها رواية "خالتي صفية والدير".

لم يتسنَّ لي قراءةُ الرواية لتزاحم الكتب في مكتبتي، لكن قررتُ مؤخرا قراءتها. إنَّ رواية "خالتي صفية والدير" تشكل في طيّاتها احتفاء كبيرا بالمكان، ودوره في احتواء الشخصيات وتحرك الأحداث. ويمكننا القول أن رواية "واحة الغروب" التي جاءت فيما بعد هي أيضا قائمة على الاحتفاء بالمكان المصري على وجه الخصوص، وكأن بهاء طاهر يعتمد في الروايتين على ترجمة المكان وتشكيله التشكيل الأمثل بما يخدم العمل الروائي؛ فواحة سيوة في واحة الغروب ودير منطقة الأقصر في خالتي صفية والدير لعبا دورا كبيرا في خارطة الأحداث. فنجد الدير الذي بدأ الراوي بالحديث عنه في بداية الرواية والذهاب إليه كل عيد حاملا معه علبة الكعك هو معلمٌ من معالم تلك البلدة الصغيرة، فهو معلم مقدَّسٌ كما سيأتي في آخر الرواية حيث يمنع دخول السلاح إليه لأنه مكان عبادةٌ، وذلك كله في علاقة قائمة بين المسلمين والمسيحيين.

تتصاعد أحداث الرواية بعد زواج "صفية" من "البيك" لاسيما بعد أن يأتي الخبر بأنَّ صفية حامل، حيث تبدأ الأحداث بالانتقال من علاقة ودٍ وحب إلى علاقة كراهية تجاه "حربي" الذي يشير الراوي إلى أن صفية كانت تُحبُّ حربي هذا وتتمنى الزواج منه، إلا أن حربي فاجأها عندما أتى بالبيك لخطبتها، تنتقل العلاقة هنا بسبب أن أحدهم حكى أن حربي يريد أن يقتل "حسان" ابن البيك وصفية القادم. فتتشكل أحداث الرواية هنا وتتوزع بين القصر والمزرعة وبيت الوالد. تتسارع الأحداث إثر مقتل البيك على يد حربي دفاعا عن نفسه، وتقرر صفية أن تأخذ بثأر البيك من حربي رغم دخوله السجن، حيث ظلت تنتظر خروجه لسنوات. تعود الأحداث إلى الدير من جديد عندما أُدْخِلَ حربي فيه حفاظا عليه من القتل على يد صفية، وتتسع دائرة الأحداث في المكان "الدير" إلى أن يأتي الخبر بموت حربي بعد أن هدّه المرض، هذا الخبر كان بمثابة الصاعقة على صفية التي دخلت دائرة المرض هي الأخرى وانتابتها الغيبوبة، فقد كانت تتمنى أن تأخذ ثأر زوجها بيدها، ولكنها أباحت بما كانت تُكِنّهُ داخلها تجاه حربي في لحظاتها الأخيرة حين تقول: "..ولكن إن كان حربي يطلب يدي فقل للبيك إني موافقة.. أنت وكيلي يا والدي.. وأنا موافقة على أي مهر يدفعه حربي.. لا تشغل بالك بالمهر.."

إن الاشتغال على المكان ظاهر في الرواية، فقد قدم المكان تساؤلاته وحرّكَ أحداث الرواية لنهايتها، وأبرز ملامحه وثقافته العالية كل ذلك نجده في سطور هذا العمل.


خالتي صفية والدير
بهاء طاهر
بيروت: دار الآداب
الطبعة الثانية 2007م

السبت، 4 فبراير، 2012

إِطْلالَـــةٌ


لا أُرِيدُ أَنْ أُغْمِضَ عَيْنَيَّ هَذا اليومَ، فَمُنْذُ أبْصَرَتَا النُّورَ هذا الصَّبَاحَ رَفْرَفَ النَّومُ بَعِيداً عَنْهُما. إِنَّهُما أَكْثَرُ تَعَلُّقاً بِاليَقَظَةِ مِنْ أَيِّ يَوْمٍ آخَر، وَأَنَا فِيْ دَاخِلِيْ لا أُرِيدُ لَهُمَا أَنْ يَنَامَا، فَأَكْثَرُ مَا يُقَدِّمُهُ النَّوْمُ خَيَالاتٍ تَتَحَرَّكُ أَمَامَهُمَا، أَمَّا أَنَا فَسَأَدَعُهُمَا يَرَيَانِ الحَيَاةَ، الابْتِسَامَةَ، الحُبَّ، الأَمَلَ وَالتَّفَاؤُلَ.


كَثِيرَاً مَا كَانَتْ تُحَلِّقُ الطُّيُورُ فِيْ الصَّبَاحِ، وَأَنَا أَسْتَمِعُ إِلَى أُغْنِيَاتِهَا الرَّائِعَةِ، أَمَّا اليَوْمَ فَقَدْ جَلَسَتِ الطُّيُورُ تَسْتَمِعُ إِلَى أُغْنِيَاتِيْ وَأَلْحَانِيْ عَلَى سُلَّمِ الصَّبَاحِ الدَّافِيِء.


الفَجْرُ كانَ مُخْتَلِفَاً هَذَا اليَوْمَ، تَعَرَّفَ إِلَيَّ بِسُرْعَةٍ وَأَطْلَقَ لِنَفْسِهِ العَنَانَ فِيْ مُحَاوَرَتِيْ. بِشَارَاتُ الفَجْرِ كَانَتْ صَادِقَةً، انْطَلَقَتْ مَعَها الدُّمُوعُ وَالابْتِسَامَاتُ.


(هَذَا تَأْوِيْلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ، قَدْ جَعَلَهَا رَبِّيْ حَقَّاً)... فَلِلَّهِ الحَمْدُ وَالشُّكْرُ.


لا يُوْجَدُ مِثْلِيْ عَاشِقٌ لِمَنْ يُحِبُّ، أَمَّا هَذَا الصَّبَاحُ فَالعِشْقُ مُخْتَلِفٌ، وَالحُبُّ مُخْتَلِفٌ، وَكُلُّ شَيْءٍ مُخْتَلِفٌ. كَمِ اشْتَهَيْتُ أَنْ أَكْتُبَ قَصِيْدَةَ حُبٍّ فِيْ عَيْنَيْهَا وَلَكِنْ كَيْفَ أَضُمُّ قَصِيْدَةً وَدِيْوَانُهَا الجَمِيْلُ مُمْتَلِئٌ بِالشِّعْرِ وَبِالزُّهُوْرِ!!... سَأَصْمُتُ وَأَكْتَفِيْ بِنِدَاءِ العُيُونِ.