الأحد، 31 أغسطس، 2014

من قصيدة (يقظة الصحراء) لعبدالله البردوني



من قصيدة للشاعر عبدالله البردوني بعنوان (يقظة الصحراء) قالها بمناسبة المولد النبوي 1376 هـ:

يذكرُ فيها أن نبينا محمدا جاء بالدين الإسلامي، دين العدل ورفض الظلم، وما أحوجنا أن نقرأ سيرة المصطفى هذه الأيام لننفض عنا غبار الظلم الذي عشش علينا طويلا، أبيات أقف فيها معكم طويلا للتأمل من شاعر كبير..


ورعى         الأغنام         بالعدل            إلى   

أن     رعى     في     مرتع     الحق       الأناما

 
بدوي         مدّن          الصحراء           كما       

علم      الناس      إلى      الحشر         النظاما


وقضى         عدلاً          وأعلى            ملة       

ترشد     الأعمى      وتعمي      من        تعامى

 
نشرت      عدل      التساوي      في        الورى       

فعلا         الإنسان         فيها           وتسامى

 
يا      رسول      الحق       خلدت         الهدى       

وتركت        الظلم         والبغي           حطاما

 
قم     تجد     في     الكون     ظلماً        محدثاً       

قتل      العدل       وباسم       العدل         قاما

 
وقوى         تختطف         العزل            كما       

يخطف     الصقر     من      الجو        الحماما

 
أمطر      الغربُ      على      الشرق        الشقا       

وبدعوى        السلم        أسقاه           الحماما

 
فمعاني         السلم          في            ألفاظه       

حيل         تبتكر         الموت            الزؤاما

 
يا       رسول       الوحدة       الكبرى         ويا       

ثورة         وسدت         الظلم            الرغاما

 
خذ      من      الأعماق      ذكرى         شاعر       

وتقبلها               صلاة                  وسلاما

الاثنين، 25 أغسطس، 2014

كيش: الجزيرة النائمة في أحضان الخليج العربي






جاء تحديدُ السفر إلى جزيرة (كيش) على وجه السرعة، فلا يوجد وقتٌ كافٍ للبحث عن وجهة أخرى، لا سيما وأن فترة الإجازة قصيرة جداً لا تتجاوز الأسبوع. جزيرة كيش الإيرانية النائمة في حضن الخليج العربي تمتاز بمقومات سياحية لا بأس بها، وهي من القرب ما يكفي الإجازة القصيرة، أضف إلى ذلك أنها دون المدن الإيرانية لا تحتاج تأشيرة دخول.

جزيرة كيش أو كما يقال تسمى قديما جزيرة "قيس" جزيرة سكنها العرب قديما ولا أدل على ذلك من المنطقة التي لا يزال يسكنها العرب إلى الآن في جانب من جوانبها. وهذه الجزيرة تعدُّ ثالث الوجهات السياحية في المنطقة من حيث وفرة السياح بعد دبي وشرم الشيخ كما جاء في محرك البحث جوجل.

وهذه الجزيرة رغم صغر حجمها وبساطتها إلا تجمع بين الحداثة والتراث بين جنباتها، وعلى ذلك يعمل الإيرانيون من أجل تطوير السياحة فيها وجذب أنظار العالم إليها، فألغوا بعض القيود كالتأشيرات خاصة للخليجيين، وأكثر ما شدَّ انتباهي توافد السياح الإيرانيين بكثرة فهي على ما يبدو وجهة جيدة للسياحة الداخلية، فتجد المجموعات السياحية واحدة تلو الأخرى باحثة عن مشاهد جمالية داخل إيران. وفي الحقيقة إن الحكومة الإيرانية لم تذخر جهدا في تطوير السياحة في كيش، فاستغلت كل موقع من المواقع لتوفير المكان المناسب للعائلات والأفراد، البحر تحول لمكان يعمره الناس بالاستجمام والإبحار والغوص والترفيه، والحدائق المتنزهات أيضا..

وإن الزائر لهذه الجزيرة يجد ملمح الحياة العصرية كالفنادق المناسبة وأماكن التسوق وغيرها وأماكن الترفيه التي أذكر منها مثلا (دولفين بارك) التي يوجد بداخلها حديقة حيوانات صغيرة وعرض السيرك وألعاب الدولفين التي يستمتع بها الزوار، كما يجد الزائر أيضا ملمح الحياة التراثية وذلك من خلال زيارة المدينة الأثرية (كاريز) التي تقبع أرض هذه الجزيرة دالة على تاريخ جزيرة ممتد في التاريخ، وهي المدينة تتمتع بجمال التصميم وروعة البناء ويكفي الزائر أن يتجول بين أروقتها ليتعرف على روعة النظام البنائي لهذه المدينة.

ثلاثة أيام قضيناها في جزيرة (كيش) منحتنا أوقاتٍ جديدة مع جزيرة تقع بالقرب منا ولكن الكثير لا يعلم عن كنهها شيئا وإن مرَّ على رسمها في الخريطة فقد لا يتعرف على اسمها لأنها تختبئ بين أسماء مدن تستهوي الكثيرين ممن يفضلون السفر إليها.










 

الأربعاء، 20 أغسطس، 2014

كتاب الماء: أول معجم طبي لغوي في التاريخ






 

هل سمعتم بكتاب الماء؟؟ أولِ معجم طبي لغوي في التاريخ؟؟

أنا مندهشٌ مثلكم عند سماعي بهذا الكتاب أول مرة، والذي زاد من اندهاشي أن مؤلِّفَ هذا المعجم عماني الأصل، وُلِدَ في ولاية صحار وانتقل إلى العراق كعادة العمانيين في تلك الأيام.

أبو محمد عبدالله بن محمد الأزدي الصحاري صاحب هذا الكتاب ولد في أواسطِ القرن الرابع الهجري بصحار وتوفي في عام 456هـ في بلنسية بالأندلس. وكما إن الكتابَ لم يحظَ على الشهرةِ الكبيرة فإن مؤلِّفَه أيضا لم ينلْ تلك الشهرة[1]، وغابت ترجمته، ولم تذكر كما أشار المحقق إلا سطور قليلة وردت في كتاب (عيون الأنباء في طبقات الأطباء لابن أبي اصيبعة) [2] يقول فيها: "هو أبو محمد عبدالله بن محمد الأزدي.. ويُعرف بابن الذهبي.. أحد المعتنين بصناعة الطب ومطالعة كتب الفلاسفة، وكان كلفا بصناعة الكيمياء، مجتهدا في طلبها. وتوفي ببلنسية "من ديار الأندلس" في جمادى الآخرة سنة ست وخمسين وأربعمائة. ولابن الذهبي من الكتب: مقالة في أن الماء لا يغذو".
ويظهر من خلال تصفح هذا الكتاب أن الصحاري قد اطلع على الكثير من الكتب سواء اللغوية منها والطبية، والتي على أساسها بنى كتابه هذا، كما أنه صاحب ثقافة واسعة، ويظهر ذلك في أمور عدة أذكر منها:
1-تسميته كتاب الماء بهذا الاسم، على غرار كتاب (العين) لشيخه الفراهيدي الذي فاق به من كان قبله، يقول: "فإني لما رأيتُ أبا عبدالرحمن الخليل بن أحمد، رحمه الله، قد أغرب في كتاب (العين) فبزَّ من كان قبله، وعنّى به من جاء بعده... عزمتُ على أن أكتبَ كتابا يجمع بين الطب والعربية، ويضم الأمراض والعلل والأدواء...". فمما يبدو أنه اطلع اطلاعا واسعا على كتاب العين وتأثر فيه بتسمية كتابه هذا بنفس طريقة تسمية الفراهيدي لكتابه، فقد سماه بذلك لأنه ابتدأ الكتاب بالحديث عن الماء كما ابتدأ الفراهيدي كتابه بحرف العين. 

 

2- التنوع في أخذه العلم والاطلاع عن كثير من العلماء والأطباء كابن سينا مثلا حين يقول: "وهو فنٌ من فنون الصنعة لم نعرف من أجاده إجادة شيخنا العلامة ابن سينا".

3-سفره في طلب العلم في بقاع الأرض، فهاجر للبصرة ثم بلاد فارس فتتلمذ على يدي البيروني، ثم رحل إلى بلاد الأندلس ماراً ببلاد الرافدين والشام وبيت المقدس.

إن كتاب الماء للأزدي الصحاري كتاب قيّم يضم بين دفتيه علماً غزيرا اجتهد مؤلِّفُه في الحصول على المعلومة، وتدوينها، فهي خلاصة تجربة طويلة. لذا فإنه علينا أن نعطي هذا الكتاب حقه في الدراسة، والتعريف به، لاسيما لسبقه في مجاله هذا. كما أبعث برسالة لوزارة التراث والثقافة للعمل على إعادة طباعة هذا الكتاب وتسويقه التسويق الأمثل حتى يصل لأكبر شريحة من المتابعين للمشهد الثقافي العماني.

 
[1] لمّح المحقق لبعض الأسباب التي أدَّتْ لاندثار مثل هذه العلوم والمعارف، كما يمكن لمتابعي التاريخ الوقوف على أسبابٍ كثيرة لغياب تلك العلوم ومؤلفيها.
[2] انظر مقدمة كتاب الماء بتحقيق الدكتور هادي حسن حمودي، سلطنة عمان: وزارة التراث والثقافة، ج1، ط1، 1996م، ص8

الأحد، 17 أغسطس، 2014

مع قصيدةٍ لأبي نواس



إنَّ المطلع على قصائد الشاعر العباسي أبي نواس (ت:195ه) يجد فيها العديد من الملامح الشعرية التي عملت على تجديد في بنية وتركيب القصيدة العربية، كابتدائه بالوقوف على الأطلال، ونقده للواقفين على تلك الأطلال، ووصفه للخمر وملذاتها حتى أُلِّفَتْ القصص الطويلة عنه في ذلك، والكثرة المفرطة في غزله الغلماني. [1]
ويعد أبو نواس من الشعراء المحدثين في الشعر العباسي، الذين عملوا على مواجهة القصيدة العربية التقليدية، فرفض الوقوف على الأطلال، وتهكَّمَ على الواقفين بأطلال بائدة في أكثر من موضع في أشعاره وهو الذي عدّه سعيد السريحي "مظهرا من مظاهر البحث عن لغة جديدة يحيا فيها الشعر ويزدهر"[2]، ومن هذه النصوص التي نقف عليها في قراءتنا لأشعار أبي نواس، قصيدة "خادمة القصر"[3] التي كعادته لم يقف فيها على أطلالٍ أو يتذكر محبوبته التي فارقها منذ أعوام.
يأتي مطلع القصيدة بذكره إحدى النساء، مستعرضا أوصافها قائلا:
وناهدةِ الثديينِ من خدمِ القصرِ:: سبتْني بحسنِ الجيدِ والوجهِ والنحرِ
وفي ذكر أوصاف الجارية تتنازع الشاعرَ عاطفتانِ مختلفتان كل الاختلاف، يتضح كل ذلك بذكره أوصاف الفتاة ثم إشارته إلى ميوله الغلمانية من أنها تشبه الغلمان في زيها، وأن حب النساء ليس من شأنه، فيقول:
(غُلامِيَّةٌ) في زِيِّها بِرمَكِيَّةٌ:: مُزَوَّقَةُ الأَصداغِ مَطمومَةُ الشَعرِ
كَلِفتُ بِما أَبصَرتُ مِن حُسنِ وَجهِها:: زَماناً (وَما حُبُّ الكَواعِبِ مِن أَمري)
هذا التنازع في الهوى جعل القصيدة تمضي في سياق سردي قصصي يتخلله الحوار. فتأخذ القصيدة منحنى ينتقل من خلاله من النظم القائم على الإيقاع الشعري إلى سرد تثقله الحكاية بقيودها المتأنية. فتاتي القصيدة محملة بأسلوب حواري بين طرفين لكلٍ منهما نظرته للآخر:
فَما زِلتُ بِالأَشعارِ في كُلِّ مَشهَدٍ:: أُلَيِّنُها وَالشِعرُ مِن عُقَدِ السِحرِ
إِلى أَن أَجابَت لِلوِصالِ وَأَقبَلَت:: عَلى غَيرِ ميعادٍ إِلَيَّ مَعَ العَصرِ
فَقُلتُ لَها أَهلاً وَدارَت كُؤوسُنا:: بِمَشمولَةٍ كَالوَرسِ أَو شُعَلِ الجَمرِ                                       
فَقالَت عَساها الخَمرُ إِنّي بَريئَةٌ:: إِلى اللَهِ مِن وَصلِ الرِجالِ مَعَ الخَمرِ
فَقُلتُ اشرَبي إِن كانَ هَذا مُحَرَّماً:: فَفي عُنُقي يا ريمُ وِزرُكِ مَع وِزري
فَطالَبتُها شَيئاً فَقالَت بِعَبرَةٍ:: أَموتُ إِذَن مِنهُ وَدَمعَتُها تَجري
فَما زِلتُ في رِفقٍ وَنَفسي تَقولُ لي:: جُوَيرِيَّةٌ بِكرٌ وَذا جَزَعُ البِكرِ
حتى يفاجئ الشاعر في النهاية بانتصار إحدى العاطفيتين على الأخرى، فها هو يعود إلى ذكر ميوله الغلمانية وإظهار فشل علاقته مع الأنثى التي لم تكن يوما رغبة يصبو إلى التطلع إليها:
فَلَمّا تَواصَلنا تَوَسَّطتُ لُجَّةً:: غَرِقتُ بِها يا قَومُ مِن لُجَجِ البَحرِ
فَصُحتُ أَغِثني يا غُلامُ فَجاءَني:: وَقَد زَلِقَت رِجلي وَلُجِّجتُ في الغَمرِ
فَلَولا صِياحي بِالغُلامِ وَأَنَّهُ:: تَدارَكَني بِالحَبلِ صِرتُ إِلى القَعرِ
فَآلَيتُ لا أَركَبَ البَحرَ غازِياً:: حَياتي وَلا سافَرتُ إِلّا عَلى الظَهرِ
فنجده يستغيث بالغلام لينقذه مما حل به، يذكرُ ذلك في لغة مليئة بالرمز (لجة، غرقت بها، لججت في الغمر، الحبل، البحر). هنا تبدو عاطفة الشاعر تتكشف وميوله تظهر في نصه الشعري وهو الذي أحال شاعرا كأبي نواس لمحاكمة دينية أخلاقية، محاكمة طالت نصوصه الشعرية رُمِيَ على إثرها بالفحش والسوء، فليس هينا أن يفصح شاعر بميوله الغلمانية في مجتمع كالمجتمع العباسي وهو الذي يعيش صراعا فكريا وأخلاقيا ودينيا سجلته كتب التاريخ.
وإننا إذ نقرأ ما كتبه أبو نواس هنا يحق لنا التساؤل هل حقا أن قصائد أبي نواس الخمرية والغلمانية هي إفراز لذلك المجتمع فقط، وأنه لم يكن إلا ناطقا بها؟ أم أنه شعور داخلي لمشاعر نفسية لم تستطع تجربته الشعرية أن تكبتها؟؟ ثم علينا أن نتفكر في مقولة أبي نواس طويلا: (والله ما فتحتُ سراويلي بحرامٍ قط).
 

[1] لقد انتُقد أبو نواس كثيرا بسبب ما داخل شعره وصف الخمر والغزل بالغلمان، فرماه الناس بالفسوق والفاحشة، يقول ابن كثير في البداية والنهاية 14/74: (وله في الخمريات والقاذورات والتشبب بالمردان والنسوان أشياء بشعة شنيعة، فمن الناس من يفسقه ويرميه بالفاحشة، ومنهم من يرميه بالزندقة، ومنهم من يقول: إنما كان يخرِّبُ على نفسه. والأول أظهر؛ لما في أشعاره...). وقال أبو عمرو الشيباني: (لولا أن أبا نواس أفسد شعره بهذه الأقذار لاحتججنا به في كتبنا. يعني شعره في الخمريات والأحداث). البداية والنهاية 14/66

[2] انظر سعيد السريحي، حركة اللغة الشعرية، جدة: النادي الأدبي الثقافي، الطبعة الأولى، 1999م، ص61. وقد رد السريحي بعض الآراء التي ذهبت إلى أن أساس هذه الظاهرة مردُّهُ تعصب أبي نواس ضد العرب أو الطعن في ثقافتهم، فقال: (ذلك أن المسألة تتجاوز هذا لتصبح محاولة لإحلال رموز شعرية جديدة محل رموز بدا عليها الاستهلاك...)ص64

[3]انظر ديوان أبي نواس (الغزليات)، تقديم وشرح الدكتور علي نجيب عطوي، لبنان: دار ومكتبة الهلال، 2002م، ص130 وما بعدها

 

 

الأربعاء، 6 أغسطس، 2014

من شعر ابي نواس



تقول الروايةُ: إنَّ أبا نواس الشاعر العباسي رأى "جنان" فاستحلاها، وقال فيها أشعاراً كثيرةً، ولما عزمت على الحج، عزم على الحج وقال: (أما والله، لا يفوتني المسير معها والحج عامي هذا...)، فسبقها إلى الخروج بعد أن علم أنها خارجةٌ. وقال من شهد حجه ذلك: (وقد أحرم، فلما جنّه الليل جعل يلبي بشعرٍ ويحدو به ويُطرِّب، فغنّى به كل من سمعه، وهو قوله:

إلهنا ما أعدلكْ:: مليكُ كلِ مَنْ ملكْ

لبيك قد لبيتُ لكْ:: لبيكَ إنّ الحمد لكْ

والملك لا شريكَ لكْ:: والليل لما أن حلّكْ

والسابحاتِ في الفلكْ:: على مجاري المُنْسَلَكْ

ما خاب عبدٌ أمَّلَكْ:: أنتَ له حيثُ سلَكْ

لولاكَ يا ربِّ هلكْ:: كلُّ نبيٍ ومَلَكْ

وكلُّ مَنْ أهلَّ لك:: سبَّحَ أو لبّى فَلَكْ

يا مخطئاً ما أغفلكْ:: عجِّلْ وبادرْ أجلَكْ

واختم بخيرٍ عمَلَكْ:: لبيكَ إنَّ الملكَ لكْ

والحمد والنعمةَ لكْ:: والعزَّ لا شريكَ لكْ
 
 

الاثنين، 4 أغسطس، 2014

إلى القدس.. لا أريد لهذه الرحلة أن تنتهي






إلى القدس.. لا أريدُ لهذه الرحلةِ أن تنتهي

أن يبتدئ عاصم الشيدي كتاب رحلاته (لا أريد لهذه الرحلة أن تنتهي) برحلته إلى القدس ففي ذلك إشارةٌ كبيرة إلى أهمية هذه الرحلة عنده، فهي بالتأكيد تمثل جانباً مهماً في حياته كصحفي وكاتب، ونقلةً نوعيةً في عالم الكتابة لديه.

ولا ريب وأنت تقرأ تفاصيل هذه الرحلة أن تجدَها مشحونةً بكمٍ هائلٍ من المعلومات التي تُخْرجُ العمل من سياقه الوصفي الإنشائي إلى سياقٍ صحفي تقريري. وكأنني الآن أرى عاصماً يتجول في طرقاتِ القدس وأزقته، وعلى كتفه كاميراه التي تعود على حملها في أسفاره المختلفة، وبيده مفكرتُه الصغيرة وقلمه مسجلاً تفاصيل ما يراه حتى لا يضيع على نفسه شيئا هناك.

تأتي الرحلة إلى القدس مشحونةً كما قلنا بكمٍ هائل بالتفاصيل الدقيقة التي رصدها الكاتب من أفواه الناس والمرافقين، والمعلومات التي استقاها من مراجعها المختلفة، باحثا عنها طويلا ليغذي بها نصه، فهذه رحلة قد لا تتكرر للكثيرين في ظل الظروف التي تعيشها الأرض المحتلة، فعند وقوفك على نص الرحلة تحس أحيانا وكأنك أمام وثيقة معلوماتية تاريخية جمعها الكاتب ليدعم بها رحلته، كالروايات التي يتناقلها الناس حول بناء قبة الصخرة أو التفاصيل المتعلقة بأبواب المسجد الأقصى ومنبر صلاح الدين وغيرها ووصف قبة الصخرة، وغيرها. كما لم ينس عاصم أن يرصد الحكايات والصور الدقيقة لحياة السكان في القدس والتي استقاها من أفواه الناس هناك والمرشدين الذين كانوا يرافقونهم رحلتهم، كحكاية الرجل الذي باع بيته لليهود والثعبان الذي وجدوه في قبره كلما فتحوا له قبرا بعد موته، والمرأة العجوز التي ظلت باقية في بيتها حتي لا يغتصب البيت عنها وغيرها كثير من الوصف الدقيق لهذه البقعة من الأرض التي يتصارع أهلها بحثا عن الحياة.

ولم يفت الشيدي أن يصور في رحلته الآخر، اليهودي، المغتصب، باعتباره شخصية محورية تعمل على تشكيل الحياة هناك، فعمل على رسم ملامحها، وصوَّرَ طبائعها وانفعالاتها بدقة، وبثَّ في وجهها حقده الدفين كمحتل غاصب لأرض لا يحق له فيها شيء، يقول: (اقتربت ورفاقي من الباب علّنا نشم شيئا من رائحة الماضي إلا أن جنود الاحتلال تحسسوا أسلحتهم الرشاشة ورمقونا بنظرات تحمل الكثير من الحقد). ويقول: (حاولت أن أقرأ شيئا في وجه الجندي الذي وضع أصابعه على الزناد وبدأ يتفقد انفعالات رفيقه ويبني عليها ولكن لم أصل إلى شيء، إنه التماهي مع العدم والخوف من المستقبل الذي يحول كل شيء إلى مسخ لا شكل له ولا لون..). وصور الآخر في عبادته أمام حائط البراق، فهم "يزاحمون المارة" عندما يتجهون إلى الحائط، و"عندما يتكاثرون تخلو الطرقات إلا منهم"، ويصفهم أمام الحائط قائلا: (كان العدد كبيرا، أكبر مما تصورنا. وأضواء الكشافات تعطي المتعبدين تحت الجدار هالة خادعة. فيما كانت مجموعات عسكرية كما عرفنا تتلقى دروسا على مبعدة قليلا من طقوس الصلاة اليهودية حول المدينة والهيكل المزعوم). هذه الصورة للآخر تتكرر كثيرا عند الحديث عنه في هذه الرحلة، وتتناول جميع أشكال الصورة التي يتخيلها المتابع للمشهد، إنها صورة اليهودي الذي يحمل حقدا دفينا داخله تجاه العرب والمسلمين، أليس أجدادهم من كان ينتظر النبوة في اليهود؟ حتى إذا اختص بها نبينا والعرب خصوصا دون غيرهم، كفروا برسالة محمد ونقضوا عهودهم ومواثيقهم، ودسوا السم لنبينا في الشاة التي قُدِّمت طعاما له، حتى إذا كان في المرض الذي قُبِضَ فيه قال: "ما زلتُ أجد ألم الطعام الذي أكلتُ بخيبر، فهذا أوان انقطاع أبهري من السم". هذه صورة اليهود على مدى التاريخ...

وبالنظر في هذه الرحلة نجدها لم تخرج عن إطارها الأدبي؛ فقد أكثر الكاتب من الاستشهاد بالنصوص الشعرية لنزار قباني ومحمود درويش وأحيانا بصوت فيروز الذي ينتقل بين جدران القدس القديمة، ولعل درويش هو الأكثر حضورا لارتباطه الوثيق بالقضية الفلسطينية، والذي ظل سنينا يحمل في لغته حجارتها وانتفاضتها وحلم عودتها..

 

لا أريد لهذه الرحلة أن تنتهي،،

لقد انتهت الرحلة ولكن صورها ظلت ترسم أفق أرض دخلها أجدادنا فاتحون، وستعود في يوم يعلوه "الله أكبر" فاتحة بواباتها لنا..