الثلاثاء، 22 سبتمبر، 2015

الصراع بين نفيسة والمرأة التي في بيتها





يُعَرَّفُ الصراع بأنه الحركة داخل النص التي تدفع الشخصيات الدرامية إلى الفعل، وتنشأ منها العقدة. وهو المكون في أي شكل من أشكاله للعمل الدرامي. ويأتي تعريف الصراع بالحركة لأنه حركة فعلية داخل النص من عاطفة لأخرى ومن شعور لآخر، ومن فكرة لأخرى. ويشكّل الصراع مع الإنسان وتناقضات الحياة العناصر الأساسية التي لا تتحقق الدراما إلا بها.(1)

 

وتبرزُ صورةُ الصراع جليةً في قصة (امرأة في بيت نفيسة) للقاصة هدى حمد، ويمكن أن نلمح ذلك من خلال العنوان نفسه، فكلمة امرأة وهي نكرة تتصادم مع نفيسة صاحبة البيت، إذ تحيلنا الشخصيتان إلى تكوّن فعلٍ خفيٍ بين الطرفين، تتضح أجزاؤه داخل أجزاء النص.

 

يأخذ الصراع شكلاً نفسياً منقطعاً من أحد اتجاهيهِ، فالأثر النفسي الذي يظهر في النص من جانب نفيسة فقط، التي تتخيّلُ صراعاً بينها وبين الخادمة في المنزل. فالخادمة في نظرها تعرف كل شيء عنها، أوقات الفرح والحزن، تفاصيل الحياة، والأسرار الخاصة، بل وتجزم أنها تراقبها وتحاول الاستماع لما يدور بينها وبين زوجها. وفي أكثر من موضع ترتفع وتيرة هذا الصراع مع أدق تفاصيل لحياة نفيسة، والذي يستلزم  إثارتها ورفع وتيرة الغضب والنفور من شخصية هذه المرأة. ولكنَّ السارد يحاول إقناعنا أن الصراع هنا ما هو إلا "عقدة أو مرض نفسي" لازم الشخصية الرئيسة منذ صغرها، منذ أن كانت في الصف الرابع الابتدائي عندما كانت تستحم في حوض مزرعة عمها وقد نظر إليها ناصر ابن عمها نظرة مريبة..."[3] ويبررها أيضا عندما يوضح أن نفيسة لا يمكنها الجلوس مع صديقة لها لأكثر من ساعة أو ساعتين ولا ترد على الاتصالات الكثيرة وتغلق ستائرها جيدا خوفا من تلصص الجيران. هذه المحاولة من السارد لتقديم المبررات لشخصية نفيسة وحالتها النفسية الداخلية كانت قد تولّدت لدى الزوج حيث بدأ بملاحظة مثل هذه التغيرات العجيبة: "كم من المرات انسحبت بعيداً عن زوجها في لحظاتهما الحميمية، وهي تهمس في أذنه: إنها بالقرب من الباب. تعدل من هيئتها، تستر قميص نومها الشفاف بثوب آخر من الحرير وتفتح الباب بقوة كمن سيتفاجأ بوحش يربض في الجهة الأخرى، لكنها لا تجد أحداً ثم تصرخ: لقد هربت.. هربت.. هل رأيت ذلك. يغطي الزوج وجهه بالشرشف ويمنحها ظهره، وهو يزفر في ضيق من تصرفاتها الغريبة".[4] لقد انعكس هذا الصراع على شخصية الزوج وأثّر فعلياً على حياتهما الزوجية، كما كشف الكثير من أسرار الزوجة والتي لا يعرفها الزوج إطلاقاً.

ينتهي هذا الصراع "المبتور" بتفوق نفيسة وبدون أي ملامحٍ يُكسب الشخصية الرئيسة نشوة الانتصار، إذ لا تزال نفيسة تعاني من العبء الثقيل الذي سببته هذه الإزاحة المنزلية، ومع كل الآلام والمشاغل إلا أن أكبر انتصار لها هي عدم وجود عينٍ تلاحقها أينما اتجهت، تلك العين التي ظلّت ترافقها طيلة ذاكرتها الطفولية.

 

[1] انظر عزالدين إسماعيل، الشعر العربي المعاصر "قضاياه وظواهره الفنية والمعنوية"، ص279-284

[2] انظر الإشارة برتقالية الآن، ص19

[3] المرجع نفسه، ص22

[4] المرجع نفسه، ص21