الثلاثاء، 15 فبراير، 2011

ها أنت أيها الوقت لأدونيس



" ... إنها فتنة الأسئلة. إنها فتنة الشعر. سلاما، سلاما."

بهذه الكلمات يختتم أدونيس رسالته إلى يوسف الخال، ويختتم كتابه "ها أنت أيها الوقت" بعد أن استعرض سيرته الشعرية الثقافية. كتاب أدونيس هذا جاء محملا بذكريات أدونيس، في فترة ربما هي من أجمل ذكريات حياته، لا سيما وأنها شهدت ميلاد حياة أدبية جديدة على الساحة الأدبية الشعرية، ميلاد إصدار مجلة شعر، والتي كان لها منعطف كبير في تيار الشعر العربي المعاصر، في وقت كانت فيه بيروت تنفجر شعرا، وتكاد تستلم زمام الحياة الأدبية من القاهرة.



مجلة شعر تستحوذ على النصيب الأكبر من سيرة الكتاب. هي مجلة نشأت في الخمسينات أسسها يوسف الخال وأدونيس وغيرهم صدر عددها الأول في العام 1957م. تتناول الشعر، وقضاياه. لم تكن مجلة شعر كما يقول أدونيس مشروعا محاربا للقديم بل هو مشروع تحاور واستكمال و"تأسيس لمرحلة جديدة في الشعر العربي" . بصدور العدد الأول كانت الهجمات تزداد على المجلة ومؤسسيها. تنوعت مواضيع العدد الأول من المجلة بين قصائد لشعراء كسعدي يوسف ونازك الملائكة وبدوي الجبل وفدوى طوقان ويوسف الخال وأدونيس وغيرهم، ودراسات نظرية ونقدية، وترجمات شعرية.



أدونيس تحدث في كتابه عن دور مجلة شعر في ذلك الوقت، وما قدمته للشعر العربي الحديث، تطرق إلى علاقته بيوسف الخال منذ لقائهما الأول إلى ما بعد ذلك، فكانت هذه العلاقة إفرازا أدبيا ثقافيا يُقَدَّم للقارئ العربي، أسهم فيه الاثنان بشكل كبير بالتنويع في الكتابة الأدبية آنذاك.



تطرق أدونيس في حديثه عن الشعر إلى عدة قضايا منها،العلاقة بين الجديد والقديم يقول عنها:" العلاقة بين الجديد والقديم ليست كما يشيع خطأ، علاقة منابذة وتناف، فالشعر لا ينفي الشعر وإنما على العكس يثبته. فحين كنا نستعمل عبارات مثل "تجاوز القديم" أو "رفضه"، لم نكن نعني رفض الشعر الذي كتب في الماضي، أو تجاوزه فهذا مما لا يصح قوله، وإنما كنا نعني أنه إذا كان لدينا نحن الشعراء العرب في العصر الحاضر شيء نقوله مختلف عن الأشياء التي قالها أسلافنا ، فلا بد من أن نقوله بطريقة مختلفة..."



علاقة أدونيس بيوسف الخال لم تكن متطابقة كما يتحدث عنها، بل كان الاثنان مختلفين "فنيا وفكريا"، لكن هذا الاختلاف لم يقم الحواجز بين الاثنين فقد كان عملهما منتظما لا يعرقله هذا الاختلاف.ومن ضمن القضايا التي اختلف فيها الاثنان قضية اللغة، يقول أدونيس في رسالته ليوسف في آخر الكتاب:" يوسف، تذكر أننا لم نكن متفقين في كل شيء. غير أننا كنا نرى في اختلافنا عنصرا يعمق صداقتنا". ويصف أدونيس يوسف الخال شعريا فيقول:" كان يوسف الخال، في كل ما يتعلق بالشعر والكتابة، متواضعا إلى درجة الغياب أحيانا، لكن تواضع العارف، الواثق بنفسه وعمله." ويقول في موضع آخر:" كان في كتابته يكبح اندفاع العاطفة من أجل أن يطلق هدوء العقل."



ها أنت أيها الوقت، سيرة شعرية ثقافية لفترة بدأت الحياة الأدبية تأخذ طابعا جديدا، بدأ الشعر العربي يتشكل وفق خارطة أخرى، الخمسينات من القرن المنصرم كانت بوابة لعالم شعري جديد. دوَّنه أدونيس شاهدا على تلك الفترة. فالوقت يمضي ولا يبقى على هيئة واحدة. أنت أيها الوقت شاهد على الوقت نفسه.

الاثنين، 7 فبراير، 2011

ثورة الفيسبوك


كنتُ في مطارِ جدّة الدولي في الخامس والعشرين من يناير. كنت أتابعُ أخبارَ الثورةِ التونسيةِ. قائدُ الجيش التونسي يقول: "الجيش حامي البلاد والعباد".  لم أكنْ أتوقع أن تندلع في هذا اليوم ثورة كبرى في أم الدنيا عن طريق الفيسبوك. 

يبدو أن الفيسبوك استطاع أن يقوم بثورته الكبرى، ليس في عالم الشبكة العنكبوتية فقط، بل اتسع ليشمل العالم الفسيح. الموقع الذي أنشأه مراهقٌ أصبح يخططُ ويدير العالم. أصبح اللسان الذي يعبّرُ بما لمْ يقدر أن يعبّر عنه الناسُ. كنت أفكرُ في وقت سابقٍ أن هذا الموقعَ كغيره من المواقعِ التي لا طائل منها إلا هدْر الوقت وضياعه، أما الآن فيبدو أن النظرة قد تغيرتْ، وتغيرت كثيرا.


ثورة شباب الفيسبوك في مصر، كشفتْ جوانب عديدة في الشارع المصري، كشفت النهاية التي تصلها الحياة، فلا شيء باق، أممٌ تسقطُ، ملوكٌ تركوا عروشَهم، المكان هو ما يبقى شاهدا على المرجعية التاريخية.

هذه الثورة كشفت هشاشة الإبداع المصري في الفن، كم كان المخرجون والفنانون ينقلون تلك الصورة البيضاء للنظام في مصر، وهم في ذاتهم يدركون الحقيقة التي يرفضونها، فما إن بدأت الثورة حتى بدا أولئك الفنانون في طوابير الثورة بعضهم خلف الحزب الفلاني وبعضهم خلف المعارِض الفلاني، وبعضهم يؤيد فلان، وبعضهم يصرخ في وجه فلان، وبعضهم يَبْكي ويُبكي الجماهير، أليسوا هم من كانوا يلوِّنون الصورة ويحرجونها لنا.

أحببنا مصر.. سافرتُ هناك، وكنت على موعد للسفر إليها في هذا الوقت ، لكن الموعد ذهب أدراج الرياح. ما يحدث هناك يشوه هذا الجمال المصري الذي عشقناه طويلا . كم اتمنى أن يعود الهدوء والجمال والضوء لهذه البلد، ويحب بعضهم بعضا عوضا عن التناحر والتقاتل في سبيل تشويهها.