الاثنين، 27 أبريل، 2015

لمحات في ذاكرة ابن حزم في طوق الحمامة




يُعدُّ كتاب (طوق الحمامةِ في الأُلفةِ والأُلاف)[1] لابن حزم من أجملِ ما كُتِبَ في الحُبِّ، فهو رسالةٌ جمعت الأدبَ بالثقافةِ والدين، وتناولتْ الحب ومعانيه وأسبابه وأعراضه وحالاته تمثّلَ فيه مؤلفه بكثير من أشعاره دون أشعار غيره.

وبالوقوف إلى هذا السِّفرِ الجميل لفتَ نظري مقاطع من سيرة العالم الجليل ابن حزم في هذا الكتاب؛ وإنها لجرأة كبيرة أن يذكرَ كاتبٌ شيئا من حياته الأولى –لا سيما ما يتعلق بالحب منها- في كتاب سيقف عليه كثير من الناس، فكيف إذا كان هذا الكاتب عالم كبير من علماء الإسلام!!

لقد جمعتُ من قراءتي للكتاب بعضا من سيرة ابن حزم وربما يكون بعضها قد ذُكِرَ في كتب التراجم، ولكنَّ بعضها ربما لم يذكر.

وبالحديث عن سيرته فما يُعرَفُ عنه أنه من مواليد قرطبة، لكنه يذكر تحديداً سكناه في الجانب الشرقي بقرطبة وكانت داره ملاصقةً لدار أبي عامر محمد بن عامر في الدرب المتصل بقصر الزاهرة.[2] (ص100)، وعلى  ما يبدو أن والده قبل سكنى هذا المكان كان يسكن بالجانب الغربي من قرطبة إذ يقول: " ثم انتقل أبي رحمه الله من دورنا المحدثة بالجانب الشرقي من قرطبة في ربض الزاهرة إلى دورنا القديمة في الجانب الغربي من قرطبة ببلاط مغيث في اليوم الثالث من قيام أمير المؤمنين محمد المهدي بالخلافة... وذلك في جمادى الآخرة سنة 399". (ص 141)

وفي أول المحرم سنة 404 أجلي أهله عن منازلهم بعد تغلب جند البربر عليهم فخرجوا عن قرطبة (ص142) فخرج من قرطبة وسكن مدينة المريّة... ثم نكبه خيران صاحبُ المريّة بوشاية نقلها إليه بعض الوشاة عنه أنه يسعى للقيام بدعوة الدولة الأموية، فاعتقله عنده أشهراً ثم أخرجه على جهة التغريب، فصار إلى حصن القصر... فأقام عند صاحب القصر أبو القاسم عبدالله بن هذيل التجيبي المعروف بابن المقفل فأقام عنده شهورا في خير دار إقامة(ص 149) ثم ركب البحر قاصداً بلنسية عند ظهور المرتضى عبدالرحمن بن محمد(ص150) ثم يذكر أنه عاد ودخل قرطبة في خلافة القاسم بن حمّود المأمون.(ص152) [3]

ويحدثُ عن نشأته أنه نشأ وتربى بين النساء في صغره فأشرفنَ على تربيته وتعليمه، وفي ذلك يقول: "ولقد شاهدتُ النساء وعلمتُ من أسرارهن ما لا يكاد يعلمه غيري، لأني ربيت في حجورهن، ونشأتُ بين أيديهن، ولم أعرف غيرهن. ولا جالستُ الرجال إلا وأنا في حدّ الشباب وحين تفيّل وجهي. وهن علمنني القرآن وروينني كثيرا من الأشعار ودربنني في الخط...". (ص73) ويبدو أن والده كان يريد أن ينشأه نشأة حازمة صارمة فجعل عليه الرقباء والرقيبات، جاء في معرض حديثه أنه كان "وقت تأجج نار الصبا وشرّة الحداثة وتمكن غزارة الفتوة مقصوراً محظراً عليه بين رقباء ورقائب، فلما ملك نفسه وعقل صحب أبا علي الحسين بن علي الفاسي في مجلس أبي القاسم عبدالرحمن بن أبي يزيد الأزدي شيخه وأستاذه فنفعه الله كثيرا بأبي علي الذي علم منه موقع الإساءة وقبح المعاصي كما يقول عنه. (ص158) ولذلك وفي معرض حديثه عن المعاصي والتي قد يتوهم القارئ من خلال حديث ابن حزم عن الحب والقصص التي ذكرها أنه قد فعل شيئا منها، فيقسم بالله قائلا: (وإني أقسمُ بالله أجل الأقسام أني ما حللتُ مئزري على فرج حرامٍ قط، ولا يحاسبني ربي بكبيرة الزنا مذ عقلتُ إلى يومي هذا). (ص157)

وتتفتح ذاكرة ابن حزم عندما يذكر الحب، فيسرد شيئا من الماضي الذي كان عليه، وعشقه الأول، فيذكر في أكثر من موضع أنه أحبَّ في شبابه، فعند حديثه عن تفضيل الشقراوات على سوداوات الشعر على سبيل المثال نجده يذكر: "أني أحببتُ في صباي جارية لي شقراء الشعر فما استحسنتُ من ذلك الوقت سوداء الشعر، ولو أنه على الشمس أو على صورة الحسن نفسه". (ص48)

ويذكر أنه أحب جارية كانت في منزلهم: "وإني لأخبر عني أني ألفتُ في أيام صباي ألفة المحبة جارية نشأت في دارنا وكانت في ذلك الوقت بنت ستة عشر عاما...فجنحتُ إليها وأحببتُها حباً مفرطاً شديداً، فسعيتُ عامين أو نحوهما أن تجيبني بكلمة وأسمع من فيها لفظة، غير ما يقع في الحديث الظاهر إلى كل سامع، بأبلغ السعي فما وصلت من ذلك إلى شيء البتة..." (ص139-140) ثم يستطرد في سرد حكايتها يوم اجتماعها في منزلهم مع غيرها من الجواري وكنَّ ينظرن من قصة في الدار إلى نواحي قرطبة وكيف كان ينظر إليها من الباب الذي تقف خلفه، فانتبهت وصارت تنتقل من مكان إلى آخر وهو يسعى خلفها من باب لآخر. (ص140)

أما حبه الكبير فكان يُحب جاريةً اسمها (نُعْم)، فلم يمنعه الحب والعشق بها أن يذكر أوصافها ويتأوه لرحيلها. فيصفها بقوله: "كانت أمنية المتمني وغاية الحُسْنِ خَلْقاً وخُلُقاً وموافقة لي، وكنتُ أبا عذرها، وكنا قد تكافأنا المودة، ففجعتني بها الأقدار واخترمتها الليالي ومرُّ النهار، وصارت ثالثة التراب والأحجار. وسني حين وفاتها دون العشرين سنة، وكانت هي دوني في السن، فلقد أقمتُ بعدها سبعة أشهر لا أتجرد عن ثيابي ولا تفتر لي دمعة على جمود عيني وقلة إسعادها. وعلى ذلك فوالله ما سلوت حتى الآن. ولو قُبِلَ فداء لفديتها بكل ما أملك من تالد وطارف وببعض أعضاء جسمي العزيزة علي مسارعا طائعا وما طاب لي عيش بعدها، ولا نسيت ذكرها ولا أنستُ بسواها. ولقد عفّى حبي لها على كل ما قبله، وحرم ما كان بعده.(ص119)

إنه الحبُّ الذي جعل فقيها وعالماً كابن حزم أن يبوح بأسراره، ويكتب الأشعار فيه عامةً وفي (نُعْمَ) خاصة، إنها عاطفة متدفقة مليئة بالحزن والفراق.. هل يستطيع أحدٌ الآن أن يبوح بسرٍ واحدٍ في منظومة الحب؟!

 

إشارات:

[1] ابن حزم الأندلسي، طوق الحمامة في الألفة والألاف، تقديم: د. صلاح الدين الهواري، بيروت: دار ومكتبة الهلال، الطبعة الأولى، 2000م.

[2] القصر الذي أمر ببنائه المنصور بن أبي عامر.

[3] توفي ابن حزم كما يُذكرُ في بادية لبلة وهي إلى الغرب من إشبيلية عام 456هـ

الخميس، 2 أبريل، 2015

مواكب العشاق [2]



نصّانِ في العشقِ من كتاب (زبدة الفتوحات المكية) لمحيي الدين بن عربي. ما أجمل اللغة التي يكتبُ بها المتصوّفة، إنها لغة طافحة بالدلالات التي تفيض من كأسٍ مترعٍ بالجمال. نصانِ لا يمكن قراءتهما إلا باستحضار البُعْدِ الجمالي للغة كهذهِ.

(1)

قُلْ لمَنْ طافَ بكاساتِ الهوى

                      وسقى العُشّاقَ مما قد نَهَلْ

ما مقامات المحبينَ سوى

                      لا، ولا العلمُ عندي كالعمَلْ

ليس مَنْ مُوِّهَ بالوصلِ له

                      مثل مَنْ سيَّروه حتى وصَلْ

لا، ولا الواصلُ عندي كالذي

                      طَرَقَ البابَ وللدارِ دَخَلْ

لا، ولا الدَّاخلُ عندي كالذي

                      أجلسوهُ عندهم في المستهَلْ

لا، ولا من أجلسوه عندي كالذي

                      سارروه فهو للسرِّ مَحَلْ

لا، ولا مَنْ سارروه عندي كالذي

                      صار إياهُم، فدع عنكَ الجَدلْ

ذاكَ شيءٌ عَلِقَ الفؤاد به

                      ما تَبَدَّى بعضه إلا قَتَلْ.

 

(2)

عَلِقتُ بمَنْ أهواهُ من حيث لا أدري

                               ولا أدري من هذا الذي قال لاأدري

فقد حرتُ في حالي وحارت خواطري

                              وقد حارت الحيراتُ فيَّ وفي أمري

فبينا أنا من بعد عشرين حجة

                             أترجمُ عن حبٍ يعانقهُ سرّي

ولم أدر من أهوى ولا أعرف اسمه

                            ولا أدري من هذا الذي ضمه صدري

إلى أن بدا وجهُها من نقابها

                            كمثل سحاب الليل أسفرَ عن بدرِ.