الأحد، 26 مارس، 2017

رسالة إلى عبدالله البردوني في اليوم العالمي للشعر

 
 
 
خالد علي المعمري
21|3|2017م
 
رسالةٌ إلى عبدالله البردُّوني
 
شاعرَ اليمنِ عبدالله البردُّوني
يُغريني هذا اليومُ بكتابة رسالةٍ خاصةٍ لك، أقودُ فيها حُروفَ الشعرِ وأسئلةَ المكانِ إلى دائرةِ خلوتِكَ الشعريةِ. أسئلةٌ مفتوحةٌ على احتمالات الحياة في تناقضاتها المستمرة، وسطوتها الماكرة، في دفئها وشتائها، في عبثيَّتِها وجنونها.
وأنا أقلِّبُ ديوانَكَ الشعريَّ متأملاً قصائد ظلَّتْ عالقةً في سماء الشعر العربي كـقصيدة "لعَيْنَيْ أمِّ بلقيسٍ" وقصيدة "من منفى إلى منفى" وقصيدة "فلسفة الجراح"، وقصائد أخرى طالما وقفْتَ فيها مع قضايا شغلَتْ بالكَ سنينَ طويلة، قضايا الإنسانية في المقام الأول والكرامة والفقر والحرية. تأملتَ الحياة اليمينة فكانت بصيرتُكَ النورَ الذي يقودك إلى ميادين الحياة، وساحات الوطن. كتبتَ عن "ليالي الجائعين" فكان تعبيراً يعزِّزُ قيمة الوجود الإنساني في تكاتفه، تعبيرا أطلقتْهُ بصيرةُ شاعرٍ تأمَّلَ حال الشعب، فوصف الثراء مقابل الفقر، والشبع مقابل الجوع، والطبقية في كل تجلياتها حين قلت:
يا ليلُ، من جيرانُ كوخي؟ من همُ
الجائعون الصابرون على الطوى
الآكلون قلوبهم حقداً على
الصامتون وفي معاني صمتهم
ويلي على جيران كوخي إنهم

 
مرعى الشقا وفريسة الأرزاءِ
صبر الرُّبا للريحِ والأنواءِ
ترف القصورِ وثروةِ البخلاءِ
دنيا من الضجّاتِ والضوضاءِ
ألعوبةُ الإفلاسِ والإعياءِ

وكما كتبتَ عن تلكَ المشاهد أظنُّ روحَكَ اليومَ تتنقَّلُ في أرجاء اليمن ضاجةً بأناشيد الخلود والحرية والحياة، ناظرةً إلى الموت في عنفوانه وهو يختطفُ أجمل ما في الأرضِ. وكما كانت حروفُكَ المشعل الذي اهتدى به أهل اليمن في تاريخ كفاحهم، فهي الأمل الذي يتعلّقُ به اليمنيُّ، فأراكَ تنفضُ عنك ترابَ رحلتكَ الأبدية متجلياً لشعب اليمنِ زارعاً بيدهم شجرة الوئام والخلاص.
إنَّ ما تناقلَتْهُ وسائلُ الإعلامِ من أنّ اليمنَ يواجهُ أكبرَ مأساةٍ إنسانيةٍ في العالم، وذلك على لسان مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية (ستيفن أوبراين) الذي أشار أيضا إلى أنَّ ثلثي الشعب اليمني في حاجةٍ إلى مساعدات، يجعلنا جميعا كعربٍ نعيشُ مرحلة تاريخية من الإطراق والهوان، مرحلة تمرُّ بها الأرضُ التي انحدرتْ منها أغلب القبائل العربية، مرحلة تتمثل في أزمةٍ تجعل من سكّانها يبحثون عن قوتهم في حاويات القمامة، إنها لحظة أليمة في تاريخ العرب الحديث.
حتما لقد عشتَ هذه المأساةَ بكل تجلياتها، ونظمتَها شعراً، ووصفتَ سطوتَها على الإنسان، وربما يكون ما قمتَ به أبلغ وصفٍ لما مرَّ باليمن وتاريخها وامتدادها الجغرافيّ، فقد شكَّلَ الشعرُ لديكَ سلاحاً واجَهَ الفقرَ والموتَ والمرضَ والطغيانَ، فكنتَ تواجهه متسائلا:
لماذا ليَ الجوعُ والقصفُ لكْ؟

 
يناشدني الجوعُ أن أسألكْ

 
وتحاكم الظلمَ قائلا:
أيا من شبعتُم على جوعنا
ألم تفهموا غضبةَ الكادحينَ

 
وجوعِ بنينا. ألم تتخموا؟
على الظلمِ لا بدّ أن تفهموا


 
سيدي البردُّوني
وكما أنَّ المأساةَ متصاعدةٌ فينبغي أن يكون الشعرُ مستمراً في مواجهته لها، فصوتُ الشعرِ أقوى وأبلغ من أصوات العابرينَ على جراحِ الإنسانية وآلامهم وأحزانهم. وهذا وجدي الأهدل كتبَ مقالاً قبل عامٍ تقريبا في العدد (101) لمجلة الدوحة عنوانه: (تاريخ طويل من الجوع)، يرى من خلاله أنَّ مشكلة اليمن مشكلةٌ مزمنة في إشارة إلى الجفاف الذي أحاط باليمن في تاريخها الطويل وما رافقه من صراعات تاريخية ممتدة، وكنتيجة لما آلت إليه تلك الصراعات ما ذكره: "ربما تضمُ اليمن في وقتنا الحاضر أكبر عدد من الجائعين في العالم! أحدث تقرير صادر عن البنك الدولي ذكر أنَّ (21) مليون يمني بحاجة ماسة إلى الغذاء والملجأ والرعاية الصحية ومياه الشرب. وبلغ عدد المشردين حوالي (2.5) مليون شخص، وقدر عدد الأطفال غير الملتحقين بالمدارس بحوالي (3.4) مليون طفل".
أيها العازف على أنغام الكلمة، ألا تغريك كلُّ تلك المعطيات لتفتتح قاموس الشعر الذي بين يديك، وتقرأ لهذا العالم النائم بين أحضان الفوضى بيتَ شعرٍ؟ لقد مررتَ على شوارع صنعاء وعدن وحضرموت وإب وتعز ومأرب فلم تخطئ مفرداتُكَ ما كنت ترمي إليها. تلك الشوارع لم تعد كما عرفتَها يوما ما، لم تَعُدْ تسمع خطى أبنائها، ولا تختصرُ المسافةَ بين جارينِ، نسيَتْ ما كنتَ تقولُهُ ذات لقاء، هل تغيَّرتِ المفرداتُ أم تبدَّلتِ القلوب والوجوه؟
 
أخيراً..
لعلّك في مجلسكَ الأخيرِ تُكثرُ من قراءة قصيدة (أبو تمام وعروبة اليوم)، ولو حَدَثَ وقابلتَ أبا تمام في مكانٍ ما هناك فإنك ستُكملُ له الملحمة العربية الخالدة. وكل ما لم يره أبو تمام في زمانه ستكتبه له صدّقَ ذلك أم لم يصدق، ولكنني أجزم أنك ستحذف الشطر الأخير من قصيدتكَ: (إنَّ السماءَ تُرَجَّى حين تَحْتَجِبُ).
 
 

قراءة نقدية في ديوان مخطوطة عشق 30/1/2017





المعشوقةُ واحدةٌ والرموزُ متعددةٌ

قراءة نقدية في ديوان "مخطوطة عشق" للشاعر "خالد المعمري".

                                                د. أحمد علواني

صدر حديثًا عن بيت الغشام ديوان بعنوان: "مخطوطة عشق" للشاعر: خالد المعمري 2017 ولعل المُطالع لغلاف الديوان سيلحظ أن تصميمه جاء برومانسية شعرية، فثمة زهرة وردية ندية تتسع لتغطي الخلفية، ويتجلى بخط أسود بارز هذا العنوان الملفت: "مخطوطة عشق"، ولعل شكل الغلاف وطبيعة اختيار العنوان يجعل ظن القارئ لا يخرج عن التفكير في أنه مقبلٌ على تناول وجبة شعرية رومانسية، بمعنى أن خواطره الأولية ستدور حول التعايش مع تجربة شعرية لعاشق ولهان يبث في ديوانه أفراحه وأتراحه، أو يبوح في شعره بمواجعه ومواجده، أو يفصح عن شكواه ونجواه، أو يعبر بقصائده عن إرهاصات العاشقين المرهفة، وما يعتمل بداخلهم من مشاعر العشق الحارقة والمؤرقة... ولكن ما إن يبدأ القارئ في الولوج إلى المتن حتى يجد نفسه أمام تجربة عشقية من نوعٍ آخر؛ إنها تجربة الشاعر العاشق للكلمة، والمقتفي أثر القافية، والباحث عنها والمتفاعل معها، وكأنها هدفه الذي يطوف من أجله؛ ليظفر به، ويرتحل لاصطياده:

"آتيكَ، مَعْنى خَالطَ الأفكارَ

لَو تَخْطُو على أَقْدَارِهِ،

لأتَتْكَ أَخْيِلَةٌ، وَنَادَتْكَ القَصِيدَةُ

مِثْلما الأَرْواحُ كُنْ،

كَحُلْمٍ يَشْتَهِي جَسَدَ الحَياةِ إذا أَرَدْتَ

فإنَّكَ المحكيُّ مِنْ لُغَةِ الشَّتات"... ص11

إن شتات العاشق ليس شتاتًا من أجل الظفر بالمرأة؛ وإنما شتات فكري لا جسدي، حيث يمتزج العاشق بفكره ليحصل على قدره/قصيدته، وعليه أن يجتهد في إعمال خياله حتى تناديه معشوقته/قصيدته كَحُلْمٍ يتحول إلى حقيقة بعدما تجسدت أفكاره وأخيلته فصاغت معشوقته/قصيدته.

يظل الشاعر العاشق هائمًا على وجهه في صحراء الفكر، تائهًا بعقله، باحثًا عن صيده في متاهات الصحراء القاحلة، يلوح له الماء فإذا اقترب منه وجده سرابًا، إنه يخطو على رمال متحركة غير ثابتة ليُرسخ قدميه فتنزلق دون جدوى، وقد صرح الشاعر بهذه المعاناة عندما شبه حاله في البحث عن معشوقته/القصيدة قائلاً:

وَكَأَنَّني ما كُنْتُ إلا ذلكَ البَدَويَّ

حينَ تَجُرُّهُ الصَّحْراءُ نَحْوَ قّصيدةٍ رَمْليَّةٍ.

أَلْقَيْت وَجْهَكَ في مَهَبِّ دُمُوعِنا

فإِلامَ هذا النَّوح؟!

كَمْ تَحْتاجُ منْ عَطْشى لتُدْرِكَ أنَّ ماءَكَ وِجْهَةٌ لِلْمِوْتِ

والصَّحْراءُ يَسْكُنُها الذُّهُول!!... ص12.

ومن الملفت للنظر أن القارئ سيجد نفسه أمام زخم من التساؤلات المتشابكة والمؤرقة في آنٍ واحد، وما القصائد الشعرية إلا مقاطع من سيرة عاشق للقصيدة لا للمرأة، حيث يمتزج السردي بالشعري، وتتداخل الأجناس الأدبية، وتتجلى لنا كتابة عبر النوعية؛ إذ يمتزج الشعري بالسردي على مدار الديوان، وهذا الامتزاج يدفع القارئ إلى التساؤل؛ هل هو أمام سير شعرية أم سير سردية؟ ويتأكد صحة هذا التداخل من عناوين القصائد، فنقرأ مثلاً: (سيرة الخطيئة، سيرة التوبة، سيرة المغفرة، سيرة العفو)

تتجلى في قصيدة "سيرةُ الخطيئة" رمزية فنية، حيث تظهر القصيدة بوصفها رمزًا للمرأة المعشوقة، التي أخطأ الشاعر/العاشق عندما رمى بنفسه في حُضْنِها، فالقصيدة أشبه ما تكون بالمرأة التي أغوته فارتمى في حضنها صامتًا، فإذا يجد حضنها سرابًا، فقد انفلتت منه وتبعثرت كتبعثر الرمل، وهنا ينادي الشاعر:

يَا رَمْلُ مَنْ فِينا سَيَبكي جرحَهُ

وَقَصَائِدُ الآتِيْنَ كَيْفَ نَلُمُّ مِنْها؟.... ص18.

يحاول الشاعر العاشق أن ينقل للقارئ حالات عشقه، ومعاناته مع معشوقته/القصيدة؛ هذه القصيدة الرملية تارة، والمائية تارة ثانية، والحجرية تارة ثالثة، لقد شبه حاله بالبدوي في متاهة الصحراء يبحث عن معشوقته/قصيدته ولكنها معشوقة رملية تنسرب من بين يديه وتتناثر كتناثر الرمل، ثم يشبه حاله بالبحار الذي يُبحر في سفينته باحثًا عن معشوقته/قصيدته في بحر متلاطم، ولكنه يفقد الخرائط والبوصلة وتتحطم الأشرعة وهنا يصرح قائلاً:

آمَنْتُ أنَّ البَحْرَ لا يَهَبُ الحَيَاةَ قَصِيْدَةً... ص21

وهكذا يقرر الشاعر العاشق أن يكتب قصيدته على الحَجر ولكنه يفقده أيضًا ويظل يبحث عنه في جدران البيت فلا يجده. وتتحول القصيدة/ المعشوقة إلى أُحجية أو شيء مُلِغز، تتعدد وجوهه، ويقف العاشق عاجزًا أمامه، حيث تتماهى القصيدة/المعشوقة مع الغيم الذي يحاول الشاعر العاشق أن يعتصره، وتمتزج المعشوقة مع الريح لتنشر عطرها المُغوي للعاشق، وتبدو المعشوقة في صورة تفاحة آدم المغوية، ولا تقتصر رمزية القصيدة على هذه الرموز فحسب، حيث تتجسد في رموز أخرى متعددة، إنها: (حُلم، سراب، أغنية، وردة، صفحة بيضاء، حجر، صدى لصوت، دم، حب قُبلة، أُمنية، موت، حياة، بحر، رمل، نور، بذرة، نار، حرب، عطر وطوفان...). إن ديوان مخطوطة عشق يجسد حالة من المعاناة للشعراء العاشقين والمتعبين في بحثهم عن القوافي وكيف تؤرقهم، إنه الهم الممتع، بمعنى أن العاشق مهمومٌ بمعشوقته وكذا الشاعر مهمومٌ بقصيدته وبالأخير يمكن وصفها بــ: متعة الهم .. هم المتعة.

الأربعاء، 9 مارس، 2016

موعـــــد




أُحِبُّكِ يا أولَ العُمْرِ

يا آخرَ العُمْرِ

هذي الحقولْ

ستزهرُ.. فلتأذني بالدُّخولْ

على البابِ واقفةٌ،

بالمناديلِ،

كلُّ الفصولْ...!

 

ناصر البدري



 

الخميس، 7 يناير، 2016

مع الجاحظ في المقهى










المكان مقهى "الكوستا" الذي أتردد عليه بين الحين والآخر، بانتظار صديقٍ يقطعُ مسافاتٍ طويلة لألتقي به عادةً عندما أُنهي قراءةَ كتابٍ له. تأخذني التفاتة للطاولة المجاورة إلى ثلاثة شبابٍ يمارسون الضحك علانية ويطلقونه حرا في المكان، بجوارهما فتاتان تلعقان الآيس كريم في صمت، بينما طاولة في الجانب الآخر يلفها السكون لانشغال الرجلين بهاتفيهما النقالين.

يُقبلُ الجاحظ بعمامته و"بشته" القديم. لم يأبه أبو عثمان بالأنظار التي ظلّت تترصد له ولملابسه، وعاجلني بعد أن أمسك كتاب "البيان والتبيين" الذي أحضَرْتُهُ معي قائلا:

- طباعةُ دار النشر هذه رديئةٌ جداً. توجدُ أخطاءٌ كثيرة بالكتاب.

لم يبدُ الجاحظ غاضباً من دار النشر وطباعتها، فقد غطّى سروره بزيادة قارئ في رصيد مكتبته التراثية على غضبه. وأنت تجلسُ مع الجاحظ تشربُ شاياً بالنعناع لا تنس أن تحاوره عن وقته الثمين الذي قضاه بين المعرفة والعلم، لا تنس أن تسأله عن مساحة الذاكرة التي كان يحملها في رأسه، إنه مكتبة ضخمة تمشي على رجلين!!

في كتابه البيان والتبيين يتضح مدى موسوعية هذا المؤلف حين يطوف بك من علم لآخر ومن معرفة لأخرى، تعيش معه موضوعا، ثم لا تجد نفسك إلا في حديقة موضوع آخر، انتقال لا تُحِسُ معه بالملل أو الشرود الذهني، وما إن تنهي الفصل حتى تُكملَ الفصل الذي يليه، ذات الأسلوب انتهجه الجاحظ في كتبه الأخرى على الأقل التي قرأتُها أنا كرسالة مفاخرة الجواري والغلمان، وكتاب المحاسن والأضداد الذب به شك حول نسبته له.

جاء البيان والتبيين جامعاً كل فن. يقول مثلا: (كانت العادة في كتب الحيوان أن أجعلَ في كل مصحف من مصاحفها عشرَ ورقات من مقطعات الأعراب، ونوادر الأشعار، لما ذكرتَ عجبَكَ بذلك، فأحببتُ أن يكون حظُ هذا الكتاب في ذلك أوفرَ إن شاء الله). بهذا الأسلوب يعرف الجاحظ كيف يصل لعقل قارئه، يعرف كيف يدخل وينظّم أفكار كتابه في فكر قارئه رغم اتساع المدة الزمنية بين الاثنين.

وأنتَ في المقهى مع الجاحظ ينبغي أن يكون النقاش في مستوى عقلية الشخصية التي أمامك، فحتى تحاوره وتسأله وتدخل معه في حوارٍ ولو قصير عليك أن تحصّن نفسك من لعنة العشوائية والتخبط، فعقلية كهذه عاشت زمنها وتقدَّمت لزمنٍ قادم تنتظر مَنْ يعيد قراءة أسئلة الثقافة العربية عليها عقلية كهذه لن تقنع إلا بوجبة دسمةٍ على مائدة الاطلاع الثري.

نظر أبو عثمان لساعته قبل أن ينصرف قاطعاً وعده بلقاء قريب تاركاً توقيعه على الكتاب حاملاً أسئلة الثقافة العربية المختبئة في ذاكرة واقعنا المعاصر.

 

الجمعة، 23 أكتوبر، 2015

ذئـــب




*
كلما مرَّ ذئبٌ على المرعى.. بكى
تذكّرَ جدَّه الأكبرَ
يوم وارى سوءةَ الإنسان بقميص الشكِّ.
 

 *
كلما نام قرب الشاةِ أدركَ جهلَ الحضارةِ.


 *
أيها الذئبُ:
التفتْ إلى جرحنا العربي
قميصُكَ عارٍ من حقيقته يوم قذفتَه للبئر.


 *
نظر الذئبُ يوماً إلى البئر، رأى صورةَ بشريٍ تقاسمه صفحة الماءِ. وجدَ الحطيئةَ يمدحُ الخليفةَ ويتغزلُ بجارية سيده. وجد الماء قد تجمّدَ.


 *
تركَ الذئبُ قصيدته الخالدةَ.. ومضى.

*
على صفحته الشخصية بالفيسبوك وضع شيخ قبيلة الذئاب صورة تجمعُهُ بشيخ قبيلة الأرانب في الكوستا.. بعد شهرٍ تمت الإطاحة بشيخ الذئاب وتعيين ذئبٍ آخر، وبعد شهر آخر وُجدَ شيخُ قبيلة الأرانب مقتولا في الكوستا.

*
لا أذكر أن الذئبَ انتخب أحداً من أصدقائه الذئاب لمجلس الغابة، بل ظل وفياً للأسد طيلة حياته.

*
أخذ الذئبُ قرصين من الحبوب كما نصح بهما الثعلب، ثم اندس في فراش زوجته وأيقظها ليخبرها عن القصف الجوي الروسي على سوريا!!

*
وجّه الذئبُ رسالةَ شكرٍ للثعلب متبوعةً بكتاب الحيوان للجاحظ على نصيحته ليلة البارحة.

*
الشجار العنيف في وادي الذئاب سببه فيلم هندي!! هل كارينا كابور أخت شاهيد كابور؟؟

*
للذي لا يحبُّ الذئبَ.. الذئبُ قد مرَّ من هنا.

*
آخر قصيدة ألقاها الذئب في حضرة الأسد حول السمع والطاعة للأسد، وأن كل معارض له داعشي يجب قتله ثم صلبه في مدخل الغابة.

*
الذئب: الرواية التي لم تصدر بعد...

الثلاثاء، 22 سبتمبر، 2015

الصراع بين نفيسة والمرأة التي في بيتها





يُعَرَّفُ الصراع بأنه الحركة داخل النص التي تدفع الشخصيات الدرامية إلى الفعل، وتنشأ منها العقدة. وهو المكون في أي شكل من أشكاله للعمل الدرامي. ويأتي تعريف الصراع بالحركة لأنه حركة فعلية داخل النص من عاطفة لأخرى ومن شعور لآخر، ومن فكرة لأخرى. ويشكّل الصراع مع الإنسان وتناقضات الحياة العناصر الأساسية التي لا تتحقق الدراما إلا بها.(1)

 

وتبرزُ صورةُ الصراع جليةً في قصة (امرأة في بيت نفيسة) للقاصة هدى حمد، ويمكن أن نلمح ذلك من خلال العنوان نفسه، فكلمة امرأة وهي نكرة تتصادم مع نفيسة صاحبة البيت، إذ تحيلنا الشخصيتان إلى تكوّن فعلٍ خفيٍ بين الطرفين، تتضح أجزاؤه داخل أجزاء النص.

 

يأخذ الصراع شكلاً نفسياً منقطعاً من أحد اتجاهيهِ، فالأثر النفسي الذي يظهر في النص من جانب نفيسة فقط، التي تتخيّلُ صراعاً بينها وبين الخادمة في المنزل. فالخادمة في نظرها تعرف كل شيء عنها، أوقات الفرح والحزن، تفاصيل الحياة، والأسرار الخاصة، بل وتجزم أنها تراقبها وتحاول الاستماع لما يدور بينها وبين زوجها. وفي أكثر من موضع ترتفع وتيرة هذا الصراع مع أدق تفاصيل لحياة نفيسة، والذي يستلزم  إثارتها ورفع وتيرة الغضب والنفور من شخصية هذه المرأة. ولكنَّ السارد يحاول إقناعنا أن الصراع هنا ما هو إلا "عقدة أو مرض نفسي" لازم الشخصية الرئيسة منذ صغرها، منذ أن كانت في الصف الرابع الابتدائي عندما كانت تستحم في حوض مزرعة عمها وقد نظر إليها ناصر ابن عمها نظرة مريبة..."[3] ويبررها أيضا عندما يوضح أن نفيسة لا يمكنها الجلوس مع صديقة لها لأكثر من ساعة أو ساعتين ولا ترد على الاتصالات الكثيرة وتغلق ستائرها جيدا خوفا من تلصص الجيران. هذه المحاولة من السارد لتقديم المبررات لشخصية نفيسة وحالتها النفسية الداخلية كانت قد تولّدت لدى الزوج حيث بدأ بملاحظة مثل هذه التغيرات العجيبة: "كم من المرات انسحبت بعيداً عن زوجها في لحظاتهما الحميمية، وهي تهمس في أذنه: إنها بالقرب من الباب. تعدل من هيئتها، تستر قميص نومها الشفاف بثوب آخر من الحرير وتفتح الباب بقوة كمن سيتفاجأ بوحش يربض في الجهة الأخرى، لكنها لا تجد أحداً ثم تصرخ: لقد هربت.. هربت.. هل رأيت ذلك. يغطي الزوج وجهه بالشرشف ويمنحها ظهره، وهو يزفر في ضيق من تصرفاتها الغريبة".[4] لقد انعكس هذا الصراع على شخصية الزوج وأثّر فعلياً على حياتهما الزوجية، كما كشف الكثير من أسرار الزوجة والتي لا يعرفها الزوج إطلاقاً.

ينتهي هذا الصراع "المبتور" بتفوق نفيسة وبدون أي ملامحٍ يُكسب الشخصية الرئيسة نشوة الانتصار، إذ لا تزال نفيسة تعاني من العبء الثقيل الذي سببته هذه الإزاحة المنزلية، ومع كل الآلام والمشاغل إلا أن أكبر انتصار لها هي عدم وجود عينٍ تلاحقها أينما اتجهت، تلك العين التي ظلّت ترافقها طيلة ذاكرتها الطفولية.

 

[1] انظر عزالدين إسماعيل، الشعر العربي المعاصر "قضاياه وظواهره الفنية والمعنوية"، ص279-284

[2] انظر الإشارة برتقالية الآن، ص19

[3] المرجع نفسه، ص22

[4] المرجع نفسه، ص21

الاثنين، 17 أغسطس، 2015

حوار مع جبل التوباد






كثيرةٌ هي الأماكن التي وردتْ في أدبنا العربي؛ وكلُّ موضعٍ له قصةٌ تُروى، ولقد وثَّق الشعرُ العربي في مراحله المختلفة علاقتَه بهذه الأمكنة وحفظ الحكايات المرتبطة به؛ فعندما يحدثنا الأصفهاني في كتابه الأغاني عن قصة مجنون بني عامر مع جبل التوباد فإنه يعرض جانباً من قصة العشق الخالدة لمجنون ليلى.

 

في أبيات قصيرة لقيس بن الملوح نجد استعراضا للمكان الذي جمع بين قيس وليلى ولكنَ المجنون هنا عمل على استنطاق المكان وجعله شخصية في نصه الشعري، شخصية يحاورها ويستمع إليها ويبثُّ الشكوى إليه، فلم يكن المكان هنا مجرد مكان، بل هو حبيب يذكره بالحبيب، نقف مع الأبيات التي قالها المجنون بعد لقائه بجبل التوباد الذي فارقه في لحظات جنونه:

 

وأجْهَشْتُ لِلتَّوْبَادِ حِينَ رَأيْتُهُ 

وكبَّرَ للرحمن حين رآني

 

وأذْرَيْتُ دَمْعَ الْعَيْنِ لَمَّا عرفتُهُ

ونادَى بأعْلَى صَوْتِهِ فدَعَانِي

 

فَقُلْتُ له قد كانَ حولكَ جيرةٌ

وعهدي بذاك الصرمِ منذ زمانِ

 

فقال مضوا واستودعوني بلادهم 

ومن ذا الذي يبقى على الحدثان
 

وأني لأبكي اليوم من حذري غداً 

فراقك والحيان مجتمعانِ

 

سِجَالاً وَتَهْتاناً ووَبْلاً ودِيمَة

 وسَحّاً وتسْجَاماً إلى هَمَلاَنِ

 الأغاني (2/35)
 

أرأيتُم كيف كان التوباد حبيباً إلى الشاعر!!

وكان كلما غاب عن بلده استرشد به، فهو القبلة الأولى في دائرة الحنين إلى الوطن، كذلك ليلى القبلة الأولى في دائرة الحب الخالد، وهي التي يسترجع ذهنه كلما ذكر اسمها.. المكان هنا خرج من دائرة الحدود والجهات إلى منبع الكمال والمشاعر فلم يجد الشاعر إلا محاورا لأنه لا يزال يحتضن اللحظة البكر في ذاكرة الحب...