الأربعاء، 9 مارس 2016

موعـــــد




أُحِبُّكِ يا أولَ العُمْرِ

يا آخرَ العُمْرِ

هذي الحقولْ

ستزهرُ.. فلتأذني بالدُّخولْ

على البابِ واقفةٌ،

بالمناديلِ،

كلُّ الفصولْ...!

 

ناصر البدري



 

الخميس، 7 يناير 2016

مع الجاحظ في المقهى










المكان مقهى "الكوستا" الذي أتردد عليه بين الحين والآخر، بانتظار صديقٍ يقطعُ مسافاتٍ طويلة لألتقي به عادةً عندما أُنهي قراءةَ كتابٍ له. تأخذني التفاتة للطاولة المجاورة إلى ثلاثة شبابٍ يمارسون الضحك علانية ويطلقونه حرا في المكان، بجوارهما فتاتان تلعقان الآيس كريم في صمت، بينما طاولة في الجانب الآخر يلفها السكون لانشغال الرجلين بهاتفيهما النقالين.

يُقبلُ الجاحظ بعمامته و"بشته" القديم. لم يأبه أبو عثمان بالأنظار التي ظلّت تترصد له ولملابسه، وعاجلني بعد أن أمسك كتاب "البيان والتبيين" الذي أحضَرْتُهُ معي قائلا:

- طباعةُ دار النشر هذه رديئةٌ جداً. توجدُ أخطاءٌ كثيرة بالكتاب.

لم يبدُ الجاحظ غاضباً من دار النشر وطباعتها، فقد غطّى سروره بزيادة قارئ في رصيد مكتبته التراثية على غضبه. وأنت تجلسُ مع الجاحظ تشربُ شاياً بالنعناع لا تنس أن تحاوره عن وقته الثمين الذي قضاه بين المعرفة والعلم، لا تنس أن تسأله عن مساحة الذاكرة التي كان يحملها في رأسه، إنه مكتبة ضخمة تمشي على رجلين!!

في كتابه البيان والتبيين يتضح مدى موسوعية هذا المؤلف حين يطوف بك من علم لآخر ومن معرفة لأخرى، تعيش معه موضوعا، ثم لا تجد نفسك إلا في حديقة موضوع آخر، انتقال لا تُحِسُ معه بالملل أو الشرود الذهني، وما إن تنهي الفصل حتى تُكملَ الفصل الذي يليه، ذات الأسلوب انتهجه الجاحظ في كتبه الأخرى على الأقل التي قرأتُها أنا كرسالة مفاخرة الجواري والغلمان، وكتاب المحاسن والأضداد الذب به شك حول نسبته له.

جاء البيان والتبيين جامعاً كل فن. يقول مثلا: (كانت العادة في كتب الحيوان أن أجعلَ في كل مصحف من مصاحفها عشرَ ورقات من مقطعات الأعراب، ونوادر الأشعار، لما ذكرتَ عجبَكَ بذلك، فأحببتُ أن يكون حظُ هذا الكتاب في ذلك أوفرَ إن شاء الله). بهذا الأسلوب يعرف الجاحظ كيف يصل لعقل قارئه، يعرف كيف يدخل وينظّم أفكار كتابه في فكر قارئه رغم اتساع المدة الزمنية بين الاثنين.

وأنتَ في المقهى مع الجاحظ ينبغي أن يكون النقاش في مستوى عقلية الشخصية التي أمامك، فحتى تحاوره وتسأله وتدخل معه في حوارٍ ولو قصير عليك أن تحصّن نفسك من لعنة العشوائية والتخبط، فعقلية كهذه عاشت زمنها وتقدَّمت لزمنٍ قادم تنتظر مَنْ يعيد قراءة أسئلة الثقافة العربية عليها عقلية كهذه لن تقنع إلا بوجبة دسمةٍ على مائدة الاطلاع الثري.

نظر أبو عثمان لساعته قبل أن ينصرف قاطعاً وعده بلقاء قريب تاركاً توقيعه على الكتاب حاملاً أسئلة الثقافة العربية المختبئة في ذاكرة واقعنا المعاصر.

 

الجمعة، 23 أكتوبر 2015

ذئـــب




*
كلما مرَّ ذئبٌ على المرعى.. بكى
تذكّرَ جدَّه الأكبرَ
يوم وارى سوءةَ الإنسان بقميص الشكِّ.
 

 *
كلما نام قرب الشاةِ أدركَ جهلَ الحضارةِ.


 *
أيها الذئبُ:
التفتْ إلى جرحنا العربي
قميصُكَ عارٍ من حقيقته يوم قذفتَه للبئر.


 *
نظر الذئبُ يوماً إلى البئر، رأى صورةَ بشريٍ تقاسمه صفحة الماءِ. وجدَ الحطيئةَ يمدحُ الخليفةَ ويتغزلُ بجارية سيده. وجد الماء قد تجمّدَ.


 *
تركَ الذئبُ قصيدته الخالدةَ.. ومضى.

*
على صفحته الشخصية بالفيسبوك وضع شيخ قبيلة الذئاب صورة تجمعُهُ بشيخ قبيلة الأرانب في الكوستا.. بعد شهرٍ تمت الإطاحة بشيخ الذئاب وتعيين ذئبٍ آخر، وبعد شهر آخر وُجدَ شيخُ قبيلة الأرانب مقتولا في الكوستا.

*
لا أذكر أن الذئبَ انتخب أحداً من أصدقائه الذئاب لمجلس الغابة، بل ظل وفياً للأسد طيلة حياته.

*
أخذ الذئبُ قرصين من الحبوب كما نصح بهما الثعلب، ثم اندس في فراش زوجته وأيقظها ليخبرها عن القصف الجوي الروسي على سوريا!!

*
وجّه الذئبُ رسالةَ شكرٍ للثعلب متبوعةً بكتاب الحيوان للجاحظ على نصيحته ليلة البارحة.

*
الشجار العنيف في وادي الذئاب سببه فيلم هندي!! هل كارينا كابور أخت شاهيد كابور؟؟

*
للذي لا يحبُّ الذئبَ.. الذئبُ قد مرَّ من هنا.

*
آخر قصيدة ألقاها الذئب في حضرة الأسد حول السمع والطاعة للأسد، وأن كل معارض له داعشي يجب قتله ثم صلبه في مدخل الغابة.

*
الذئب: الرواية التي لم تصدر بعد...

الثلاثاء، 22 سبتمبر 2015

الصراع بين نفيسة والمرأة التي في بيتها





يُعَرَّفُ الصراع بأنه الحركة داخل النص التي تدفع الشخصيات الدرامية إلى الفعل، وتنشأ منها العقدة. وهو المكون في أي شكل من أشكاله للعمل الدرامي. ويأتي تعريف الصراع بالحركة لأنه حركة فعلية داخل النص من عاطفة لأخرى ومن شعور لآخر، ومن فكرة لأخرى. ويشكّل الصراع مع الإنسان وتناقضات الحياة العناصر الأساسية التي لا تتحقق الدراما إلا بها.(1)

 

وتبرزُ صورةُ الصراع جليةً في قصة (امرأة في بيت نفيسة) للقاصة هدى حمد، ويمكن أن نلمح ذلك من خلال العنوان نفسه، فكلمة امرأة وهي نكرة تتصادم مع نفيسة صاحبة البيت، إذ تحيلنا الشخصيتان إلى تكوّن فعلٍ خفيٍ بين الطرفين، تتضح أجزاؤه داخل أجزاء النص.

 

يأخذ الصراع شكلاً نفسياً منقطعاً من أحد اتجاهيهِ، فالأثر النفسي الذي يظهر في النص من جانب نفيسة فقط، التي تتخيّلُ صراعاً بينها وبين الخادمة في المنزل. فالخادمة في نظرها تعرف كل شيء عنها، أوقات الفرح والحزن، تفاصيل الحياة، والأسرار الخاصة، بل وتجزم أنها تراقبها وتحاول الاستماع لما يدور بينها وبين زوجها. وفي أكثر من موضع ترتفع وتيرة هذا الصراع مع أدق تفاصيل لحياة نفيسة، والذي يستلزم  إثارتها ورفع وتيرة الغضب والنفور من شخصية هذه المرأة. ولكنَّ السارد يحاول إقناعنا أن الصراع هنا ما هو إلا "عقدة أو مرض نفسي" لازم الشخصية الرئيسة منذ صغرها، منذ أن كانت في الصف الرابع الابتدائي عندما كانت تستحم في حوض مزرعة عمها وقد نظر إليها ناصر ابن عمها نظرة مريبة..."[3] ويبررها أيضا عندما يوضح أن نفيسة لا يمكنها الجلوس مع صديقة لها لأكثر من ساعة أو ساعتين ولا ترد على الاتصالات الكثيرة وتغلق ستائرها جيدا خوفا من تلصص الجيران. هذه المحاولة من السارد لتقديم المبررات لشخصية نفيسة وحالتها النفسية الداخلية كانت قد تولّدت لدى الزوج حيث بدأ بملاحظة مثل هذه التغيرات العجيبة: "كم من المرات انسحبت بعيداً عن زوجها في لحظاتهما الحميمية، وهي تهمس في أذنه: إنها بالقرب من الباب. تعدل من هيئتها، تستر قميص نومها الشفاف بثوب آخر من الحرير وتفتح الباب بقوة كمن سيتفاجأ بوحش يربض في الجهة الأخرى، لكنها لا تجد أحداً ثم تصرخ: لقد هربت.. هربت.. هل رأيت ذلك. يغطي الزوج وجهه بالشرشف ويمنحها ظهره، وهو يزفر في ضيق من تصرفاتها الغريبة".[4] لقد انعكس هذا الصراع على شخصية الزوج وأثّر فعلياً على حياتهما الزوجية، كما كشف الكثير من أسرار الزوجة والتي لا يعرفها الزوج إطلاقاً.

ينتهي هذا الصراع "المبتور" بتفوق نفيسة وبدون أي ملامحٍ يُكسب الشخصية الرئيسة نشوة الانتصار، إذ لا تزال نفيسة تعاني من العبء الثقيل الذي سببته هذه الإزاحة المنزلية، ومع كل الآلام والمشاغل إلا أن أكبر انتصار لها هي عدم وجود عينٍ تلاحقها أينما اتجهت، تلك العين التي ظلّت ترافقها طيلة ذاكرتها الطفولية.

 

[1] انظر عزالدين إسماعيل، الشعر العربي المعاصر "قضاياه وظواهره الفنية والمعنوية"، ص279-284

[2] انظر الإشارة برتقالية الآن، ص19

[3] المرجع نفسه، ص22

[4] المرجع نفسه، ص21

الاثنين، 17 أغسطس 2015

حوار مع جبل التوباد






كثيرةٌ هي الأماكن التي وردتْ في أدبنا العربي؛ وكلُّ موضعٍ له قصةٌ تُروى، ولقد وثَّق الشعرُ العربي في مراحله المختلفة علاقتَه بهذه الأمكنة وحفظ الحكايات المرتبطة به؛ فعندما يحدثنا الأصفهاني في كتابه الأغاني عن قصة مجنون بني عامر مع جبل التوباد فإنه يعرض جانباً من قصة العشق الخالدة لمجنون ليلى.

 

في أبيات قصيرة لقيس بن الملوح نجد استعراضا للمكان الذي جمع بين قيس وليلى ولكنَ المجنون هنا عمل على استنطاق المكان وجعله شخصية في نصه الشعري، شخصية يحاورها ويستمع إليها ويبثُّ الشكوى إليه، فلم يكن المكان هنا مجرد مكان، بل هو حبيب يذكره بالحبيب، نقف مع الأبيات التي قالها المجنون بعد لقائه بجبل التوباد الذي فارقه في لحظات جنونه:

 

وأجْهَشْتُ لِلتَّوْبَادِ حِينَ رَأيْتُهُ 

وكبَّرَ للرحمن حين رآني

 

وأذْرَيْتُ دَمْعَ الْعَيْنِ لَمَّا عرفتُهُ

ونادَى بأعْلَى صَوْتِهِ فدَعَانِي

 

فَقُلْتُ له قد كانَ حولكَ جيرةٌ

وعهدي بذاك الصرمِ منذ زمانِ

 

فقال مضوا واستودعوني بلادهم 

ومن ذا الذي يبقى على الحدثان
 

وأني لأبكي اليوم من حذري غداً 

فراقك والحيان مجتمعانِ

 

سِجَالاً وَتَهْتاناً ووَبْلاً ودِيمَة

 وسَحّاً وتسْجَاماً إلى هَمَلاَنِ

 الأغاني (2/35)
 

أرأيتُم كيف كان التوباد حبيباً إلى الشاعر!!

وكان كلما غاب عن بلده استرشد به، فهو القبلة الأولى في دائرة الحنين إلى الوطن، كذلك ليلى القبلة الأولى في دائرة الحب الخالد، وهي التي يسترجع ذهنه كلما ذكر اسمها.. المكان هنا خرج من دائرة الحدود والجهات إلى منبع الكمال والمشاعر فلم يجد الشاعر إلا محاورا لأنه لا يزال يحتضن اللحظة البكر في ذاكرة الحب...

 

 

السبت، 15 أغسطس 2015

أنا ومجلس الشورى



أنا.. ومجلسُ الشورى

 

رأيتُ في المنامِ أني دخلتُ انتخابات مجلس الشورى القادمة!!

ورغم أني لم أُعَلق صوري في أرجاء الولايةِ، ولم أنشر سيرتي في الفيسبوك والتويتر، ولم أعرض دوراتي وشهاداتي الوهمية وغير الوهمية أمام الملأ، ولم أضع حسابات التواصل الخاصة بي في كل مكان، ورغم أني لم أُخبرْ أحداً أنني سأترشحُ لعضوية المجلس، رغم كلِّ ذلكَ كانتِ الأصواتُ تنهالُ عليَّ ذلك اليوم، ووجدتُ نفسي في موقف عصيب، إذْ على ما يبدو أنني سأفوز وبأغلبية ساحقة، وسأمثِّلُ الولايةَ في القريب العاجل..

تلكَ هي صورةُ المنام التي مرَّت عليَّ ذات ليلةٍ، وبعدها قمتُ متسائلاً: يا ترى كيف يقضي المترشحون لعضوية المجلس أيامهم ولياليهم؟ في ماذا يفكرون وهم يخلدون للنوم كلَّ ليلةٍ ناهيكَ عن تلك الليالي القريبة من يوم الترشيح؟

أقول ذلك وأنا أرى نشاطاً عجيباً هذه الأيام من الإخوة المترشحين لهذا المنصب؟ وجهداً كبيراً، والتزاماً أكبر بحضور فعاليات المجتمع، ودعوات المؤسسات، ورعاية الفعاليات، بل وظهور تصريحاتٍ لبعضهم ووقوف البعض مع قضايا أبناء الولاية، وزيارات معلنة وخفية لشيوخ بعض القرى. إنه جهد عظيم يقومون به، ولكن يحقُّ لي أن أتساءَل أين هم قبل الترشح لعضوية المجلس؟ أتحتاج مشاركة أبناء الولاية في فعالياتهم لمنصبٍ يحفز على الحضور والمشاركة، أتحتاج الزيارات واللقاءات لذلك، ولا أحتاج أن أستشهد بفلانٍ الذي لم نكن نسمع له همساً قام بكل شيء للفوز في انتخابات الدورة السابقة، وسخّر فرقة إعلامية لتصويره أينما حل أو ارتحل وعندما لم يفز عاد إلى مغارته وعزلته، وكذلك فلان الذي كنا نحسبه (ميتا) في المجتمع حتى بتنا نقرأ سيرته التي كتبها في صفحات...

المجتمع يحتاج فرداً فاعلاً، سواء فاز في الانتخابات أم لم يفز، لأنه يعمل لبناء ولايته والنهوض بها، ولا يعمل فترة محدودة لأجل كرسيٍ يجلب له الشهرة والجاه وأشياء أخرى...

 

أرجو التوفيق لجميع المترشحين الفترة القادمة، ولكنني لن أقرأ عن أخبارهم قبل النوم شيئاً حتى لا أطيل رقدتي فأجد نفسي ممثلاً لولاية تستحق الأفضل...

الاثنين، 27 أبريل 2015

لمحات في ذاكرة ابن حزم في طوق الحمامة




يُعدُّ كتاب (طوق الحمامةِ في الأُلفةِ والأُلاف)[1] لابن حزم من أجملِ ما كُتِبَ في الحُبِّ، فهو رسالةٌ جمعت الأدبَ بالثقافةِ والدين، وتناولتْ الحب ومعانيه وأسبابه وأعراضه وحالاته تمثّلَ فيه مؤلفه بكثير من أشعاره دون أشعار غيره.

وبالوقوف إلى هذا السِّفرِ الجميل لفتَ نظري مقاطع من سيرة العالم الجليل ابن حزم في هذا الكتاب؛ وإنها لجرأة كبيرة أن يذكرَ كاتبٌ شيئا من حياته الأولى –لا سيما ما يتعلق بالحب منها- في كتاب سيقف عليه كثير من الناس، فكيف إذا كان هذا الكاتب عالم كبير من علماء الإسلام!!

لقد جمعتُ من قراءتي للكتاب بعضا من سيرة ابن حزم وربما يكون بعضها قد ذُكِرَ في كتب التراجم، ولكنَّ بعضها ربما لم يذكر.

وبالحديث عن سيرته فما يُعرَفُ عنه أنه من مواليد قرطبة، لكنه يذكر تحديداً سكناه في الجانب الشرقي بقرطبة وكانت داره ملاصقةً لدار أبي عامر محمد بن عامر في الدرب المتصل بقصر الزاهرة.[2] (ص100)، وعلى  ما يبدو أن والده قبل سكنى هذا المكان كان يسكن بالجانب الغربي من قرطبة إذ يقول: " ثم انتقل أبي رحمه الله من دورنا المحدثة بالجانب الشرقي من قرطبة في ربض الزاهرة إلى دورنا القديمة في الجانب الغربي من قرطبة ببلاط مغيث في اليوم الثالث من قيام أمير المؤمنين محمد المهدي بالخلافة... وذلك في جمادى الآخرة سنة 399". (ص 141)

وفي أول المحرم سنة 404 أجلي أهله عن منازلهم بعد تغلب جند البربر عليهم فخرجوا عن قرطبة (ص142) فخرج من قرطبة وسكن مدينة المريّة... ثم نكبه خيران صاحبُ المريّة بوشاية نقلها إليه بعض الوشاة عنه أنه يسعى للقيام بدعوة الدولة الأموية، فاعتقله عنده أشهراً ثم أخرجه على جهة التغريب، فصار إلى حصن القصر... فأقام عند صاحب القصر أبو القاسم عبدالله بن هذيل التجيبي المعروف بابن المقفل فأقام عنده شهورا في خير دار إقامة(ص 149) ثم ركب البحر قاصداً بلنسية عند ظهور المرتضى عبدالرحمن بن محمد(ص150) ثم يذكر أنه عاد ودخل قرطبة في خلافة القاسم بن حمّود المأمون.(ص152) [3]

ويحدثُ عن نشأته أنه نشأ وتربى بين النساء في صغره فأشرفنَ على تربيته وتعليمه، وفي ذلك يقول: "ولقد شاهدتُ النساء وعلمتُ من أسرارهن ما لا يكاد يعلمه غيري، لأني ربيت في حجورهن، ونشأتُ بين أيديهن، ولم أعرف غيرهن. ولا جالستُ الرجال إلا وأنا في حدّ الشباب وحين تفيّل وجهي. وهن علمنني القرآن وروينني كثيرا من الأشعار ودربنني في الخط...". (ص73) ويبدو أن والده كان يريد أن ينشأه نشأة حازمة صارمة فجعل عليه الرقباء والرقيبات، جاء في معرض حديثه أنه كان "وقت تأجج نار الصبا وشرّة الحداثة وتمكن غزارة الفتوة مقصوراً محظراً عليه بين رقباء ورقائب، فلما ملك نفسه وعقل صحب أبا علي الحسين بن علي الفاسي في مجلس أبي القاسم عبدالرحمن بن أبي يزيد الأزدي شيخه وأستاذه فنفعه الله كثيرا بأبي علي الذي علم منه موقع الإساءة وقبح المعاصي كما يقول عنه. (ص158) ولذلك وفي معرض حديثه عن المعاصي والتي قد يتوهم القارئ من خلال حديث ابن حزم عن الحب والقصص التي ذكرها أنه قد فعل شيئا منها، فيقسم بالله قائلا: (وإني أقسمُ بالله أجل الأقسام أني ما حللتُ مئزري على فرج حرامٍ قط، ولا يحاسبني ربي بكبيرة الزنا مذ عقلتُ إلى يومي هذا). (ص157)

وتتفتح ذاكرة ابن حزم عندما يذكر الحب، فيسرد شيئا من الماضي الذي كان عليه، وعشقه الأول، فيذكر في أكثر من موضع أنه أحبَّ في شبابه، فعند حديثه عن تفضيل الشقراوات على سوداوات الشعر على سبيل المثال نجده يذكر: "أني أحببتُ في صباي جارية لي شقراء الشعر فما استحسنتُ من ذلك الوقت سوداء الشعر، ولو أنه على الشمس أو على صورة الحسن نفسه". (ص48)

ويذكر أنه أحب جارية كانت في منزلهم: "وإني لأخبر عني أني ألفتُ في أيام صباي ألفة المحبة جارية نشأت في دارنا وكانت في ذلك الوقت بنت ستة عشر عاما...فجنحتُ إليها وأحببتُها حباً مفرطاً شديداً، فسعيتُ عامين أو نحوهما أن تجيبني بكلمة وأسمع من فيها لفظة، غير ما يقع في الحديث الظاهر إلى كل سامع، بأبلغ السعي فما وصلت من ذلك إلى شيء البتة..." (ص139-140) ثم يستطرد في سرد حكايتها يوم اجتماعها في منزلهم مع غيرها من الجواري وكنَّ ينظرن من قصة في الدار إلى نواحي قرطبة وكيف كان ينظر إليها من الباب الذي تقف خلفه، فانتبهت وصارت تنتقل من مكان إلى آخر وهو يسعى خلفها من باب لآخر. (ص140)

أما حبه الكبير فكان يُحب جاريةً اسمها (نُعْم)، فلم يمنعه الحب والعشق بها أن يذكر أوصافها ويتأوه لرحيلها. فيصفها بقوله: "كانت أمنية المتمني وغاية الحُسْنِ خَلْقاً وخُلُقاً وموافقة لي، وكنتُ أبا عذرها، وكنا قد تكافأنا المودة، ففجعتني بها الأقدار واخترمتها الليالي ومرُّ النهار، وصارت ثالثة التراب والأحجار. وسني حين وفاتها دون العشرين سنة، وكانت هي دوني في السن، فلقد أقمتُ بعدها سبعة أشهر لا أتجرد عن ثيابي ولا تفتر لي دمعة على جمود عيني وقلة إسعادها. وعلى ذلك فوالله ما سلوت حتى الآن. ولو قُبِلَ فداء لفديتها بكل ما أملك من تالد وطارف وببعض أعضاء جسمي العزيزة علي مسارعا طائعا وما طاب لي عيش بعدها، ولا نسيت ذكرها ولا أنستُ بسواها. ولقد عفّى حبي لها على كل ما قبله، وحرم ما كان بعده.(ص119)

إنه الحبُّ الذي جعل فقيها وعالماً كابن حزم أن يبوح بأسراره، ويكتب الأشعار فيه عامةً وفي (نُعْمَ) خاصة، إنها عاطفة متدفقة مليئة بالحزن والفراق.. هل يستطيع أحدٌ الآن أن يبوح بسرٍ واحدٍ في منظومة الحب؟!

 

إشارات:

[1] ابن حزم الأندلسي، طوق الحمامة في الألفة والألاف، تقديم: د. صلاح الدين الهواري، بيروت: دار ومكتبة الهلال، الطبعة الأولى، 2000م.

[2] القصر الذي أمر ببنائه المنصور بن أبي عامر.

[3] توفي ابن حزم كما يُذكرُ في بادية لبلة وهي إلى الغرب من إشبيلية عام 456هـ