الأحد، 26 مارس 2017

قراءة نقدية في ديوان مخطوطة عشق 30/1/2017





المعشوقةُ واحدةٌ والرموزُ متعددةٌ

قراءة نقدية في ديوان "مخطوطة عشق" للشاعر "خالد المعمري".

                                                د. أحمد علواني

صدر حديثًا عن بيت الغشام ديوان بعنوان: "مخطوطة عشق" للشاعر: خالد المعمري 2017 ولعل المُطالع لغلاف الديوان سيلحظ أن تصميمه جاء برومانسية شعرية، فثمة زهرة وردية ندية تتسع لتغطي الخلفية، ويتجلى بخط أسود بارز هذا العنوان الملفت: "مخطوطة عشق"، ولعل شكل الغلاف وطبيعة اختيار العنوان يجعل ظن القارئ لا يخرج عن التفكير في أنه مقبلٌ على تناول وجبة شعرية رومانسية، بمعنى أن خواطره الأولية ستدور حول التعايش مع تجربة شعرية لعاشق ولهان يبث في ديوانه أفراحه وأتراحه، أو يبوح في شعره بمواجعه ومواجده، أو يفصح عن شكواه ونجواه، أو يعبر بقصائده عن إرهاصات العاشقين المرهفة، وما يعتمل بداخلهم من مشاعر العشق الحارقة والمؤرقة... ولكن ما إن يبدأ القارئ في الولوج إلى المتن حتى يجد نفسه أمام تجربة عشقية من نوعٍ آخر؛ إنها تجربة الشاعر العاشق للكلمة، والمقتفي أثر القافية، والباحث عنها والمتفاعل معها، وكأنها هدفه الذي يطوف من أجله؛ ليظفر به، ويرتحل لاصطياده:

"آتيكَ، مَعْنى خَالطَ الأفكارَ

لَو تَخْطُو على أَقْدَارِهِ،

لأتَتْكَ أَخْيِلَةٌ، وَنَادَتْكَ القَصِيدَةُ

مِثْلما الأَرْواحُ كُنْ،

كَحُلْمٍ يَشْتَهِي جَسَدَ الحَياةِ إذا أَرَدْتَ

فإنَّكَ المحكيُّ مِنْ لُغَةِ الشَّتات"... ص11

إن شتات العاشق ليس شتاتًا من أجل الظفر بالمرأة؛ وإنما شتات فكري لا جسدي، حيث يمتزج العاشق بفكره ليحصل على قدره/قصيدته، وعليه أن يجتهد في إعمال خياله حتى تناديه معشوقته/قصيدته كَحُلْمٍ يتحول إلى حقيقة بعدما تجسدت أفكاره وأخيلته فصاغت معشوقته/قصيدته.

يظل الشاعر العاشق هائمًا على وجهه في صحراء الفكر، تائهًا بعقله، باحثًا عن صيده في متاهات الصحراء القاحلة، يلوح له الماء فإذا اقترب منه وجده سرابًا، إنه يخطو على رمال متحركة غير ثابتة ليُرسخ قدميه فتنزلق دون جدوى، وقد صرح الشاعر بهذه المعاناة عندما شبه حاله في البحث عن معشوقته/القصيدة قائلاً:

وَكَأَنَّني ما كُنْتُ إلا ذلكَ البَدَويَّ

حينَ تَجُرُّهُ الصَّحْراءُ نَحْوَ قّصيدةٍ رَمْليَّةٍ.

أَلْقَيْت وَجْهَكَ في مَهَبِّ دُمُوعِنا

فإِلامَ هذا النَّوح؟!

كَمْ تَحْتاجُ منْ عَطْشى لتُدْرِكَ أنَّ ماءَكَ وِجْهَةٌ لِلْمِوْتِ

والصَّحْراءُ يَسْكُنُها الذُّهُول!!... ص12.

ومن الملفت للنظر أن القارئ سيجد نفسه أمام زخم من التساؤلات المتشابكة والمؤرقة في آنٍ واحد، وما القصائد الشعرية إلا مقاطع من سيرة عاشق للقصيدة لا للمرأة، حيث يمتزج السردي بالشعري، وتتداخل الأجناس الأدبية، وتتجلى لنا كتابة عبر النوعية؛ إذ يمتزج الشعري بالسردي على مدار الديوان، وهذا الامتزاج يدفع القارئ إلى التساؤل؛ هل هو أمام سير شعرية أم سير سردية؟ ويتأكد صحة هذا التداخل من عناوين القصائد، فنقرأ مثلاً: (سيرة الخطيئة، سيرة التوبة، سيرة المغفرة، سيرة العفو)

تتجلى في قصيدة "سيرةُ الخطيئة" رمزية فنية، حيث تظهر القصيدة بوصفها رمزًا للمرأة المعشوقة، التي أخطأ الشاعر/العاشق عندما رمى بنفسه في حُضْنِها، فالقصيدة أشبه ما تكون بالمرأة التي أغوته فارتمى في حضنها صامتًا، فإذا يجد حضنها سرابًا، فقد انفلتت منه وتبعثرت كتبعثر الرمل، وهنا ينادي الشاعر:

يَا رَمْلُ مَنْ فِينا سَيَبكي جرحَهُ

وَقَصَائِدُ الآتِيْنَ كَيْفَ نَلُمُّ مِنْها؟.... ص18.

يحاول الشاعر العاشق أن ينقل للقارئ حالات عشقه، ومعاناته مع معشوقته/القصيدة؛ هذه القصيدة الرملية تارة، والمائية تارة ثانية، والحجرية تارة ثالثة، لقد شبه حاله بالبدوي في متاهة الصحراء يبحث عن معشوقته/قصيدته ولكنها معشوقة رملية تنسرب من بين يديه وتتناثر كتناثر الرمل، ثم يشبه حاله بالبحار الذي يُبحر في سفينته باحثًا عن معشوقته/قصيدته في بحر متلاطم، ولكنه يفقد الخرائط والبوصلة وتتحطم الأشرعة وهنا يصرح قائلاً:

آمَنْتُ أنَّ البَحْرَ لا يَهَبُ الحَيَاةَ قَصِيْدَةً... ص21

وهكذا يقرر الشاعر العاشق أن يكتب قصيدته على الحَجر ولكنه يفقده أيضًا ويظل يبحث عنه في جدران البيت فلا يجده. وتتحول القصيدة/ المعشوقة إلى أُحجية أو شيء مُلِغز، تتعدد وجوهه، ويقف العاشق عاجزًا أمامه، حيث تتماهى القصيدة/المعشوقة مع الغيم الذي يحاول الشاعر العاشق أن يعتصره، وتمتزج المعشوقة مع الريح لتنشر عطرها المُغوي للعاشق، وتبدو المعشوقة في صورة تفاحة آدم المغوية، ولا تقتصر رمزية القصيدة على هذه الرموز فحسب، حيث تتجسد في رموز أخرى متعددة، إنها: (حُلم، سراب، أغنية، وردة، صفحة بيضاء، حجر، صدى لصوت، دم، حب قُبلة، أُمنية، موت، حياة، بحر، رمل، نور، بذرة، نار، حرب، عطر وطوفان...). إن ديوان مخطوطة عشق يجسد حالة من المعاناة للشعراء العاشقين والمتعبين في بحثهم عن القوافي وكيف تؤرقهم، إنه الهم الممتع، بمعنى أن العاشق مهمومٌ بمعشوقته وكذا الشاعر مهمومٌ بقصيدته وبالأخير يمكن وصفها بــ: متعة الهم .. هم المتعة.

هناك تعليقان (2):